الأحد ١٩ / أبريل / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سامي محمود يكتب: مِلَفَّاتٌ عَاجِلَةٌ عَلَى مَكْتَبِ المُحَافِظِ

سامي محمود يكتب: مِلَفَّاتٌ عَاجِلَةٌ عَلَى مَكْتَبِ المُحَافِظِ
صدي بني سويف

حين تمضي في شوارع المدن، في صباحاتها التي تضجُّ بالحياة، أو في لياليها التي يختلط فيها ضوء المصابيح بأنين الأرصفة، قد تقع عينك على مشهدٍ صغيرٍ في حجمه، عظيمٍ في وجعه؛ طفلٌ نحيلُ الجسد، واسعُ العينين، يفترش الأرض كأنها قدره المحتوم، ويلتحف السماء كأنها آخر ما تبقَّى له من حنان هذا الكون. جعل من الرصيف سريرًا باردًا، ومن الريح رفيقًا عابرًا، ومن الصمت لغةً لا يفهمها إلا قلبٌ ما زال فيه بقيةُ نبضٍ ورحمة.

هناك، في زاويةٍ من زوايا الطريق، تجلس أمٌّ أنهكها التعب، وكسرت الأيام في قلبها ألفَ أمنيةٍ وأمنية. يلتفُّ حولها صغارها كما تلتفُّ العصافير المرتجفة حول أمها في ليلة مطرٍ عاصف. تنظر إلى وجوههم الصغيرة فتذوب روحها ألمًا؛ مرةً لجوعهم الذي ينهش بطونهم الغضة، ومرةً لكرامتها التي يجلدها السؤال، وثالثةً لنظراتٍ قاسيةٍ تمرُّ عليها كالسياط، كأنها تُحاكم فقرها أمام أعين المارَّة.

وما أقسى أن تمرَّ السيارات الفارهة أمام هذا المشهد، وأن يمضي الناس في طرقاتهم مسرعين، كأنَّ هذا الطفل لم يولد في هذا الوطن، وكأنَّ تلك الأم لم تكن يومًا ابنةً من بناته.

غير أن القلب الذي ما زال حيًّا لا يستطيع أن يرى هذا الألم ثم يمضي صامتًا؛ لأن الرحمة ليست كلمةً تُقال على الشفاه، بل هي نورٌ يسكن الضمير، ومسؤوليةٌ أخلاقيةٌ ودينيةٌ وإنسانيةٌ تجاه كل إنسانٍ ضعيف.

لقد أقام الإسلام بنيانه الأخلاقي على كرامة الإنسان، وجعل رعاية الفقراء والمساكين بابًا من أبواب الإيمان، وربط بين صدق التدين وحفظ حقوق الضعفاء، فقال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۝ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾

سورة الماعون: الآيات (١–٣).

وفي موضعٍ آخر يوقظ القرآن في القلوب أسمى معاني الرحمة فيقول سبحانه:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾

سورة الإنسان: الآية (٨).

ثم يقرر قاعدة العدالة الاجتماعية في أجمل بيانٍ وأبلغه:

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

سورة الذاريات: الآية (١٩).

إن هذه الآيات الكريمة لا تدعو إلى شفقةٍ عابرة، بل تبني فلسفةً إنسانيةً كاملة، قوامها أن المجتمع الحق هو الذي يصون كرامة أضعف أفراده.

وقد جسَّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني في أسمى صورها، فقال:

«ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».

وقال عليه الصلاة والسلام:

«الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله».

وقال كذلك في كفالة اليتيم:

«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.

إن هذه النصوص العظيمة تجعل من رعاية الفقراء والمشردين رسالةً دينيةً قبل أن تكون مسؤوليةً اجتماعية.

ومن هنا تنبع فكرةٌ إنسانيةٌ حضارية، لو كُتب لها أن ترى النور لأشرقت بها الأرض أملاً جديدًا؛ فكرة إنشاء مدينةٍ متكاملةٍ لرعاية أطفال الشوارع والمتسولين والمشردين في محافظة بني سويف.

مدينةٌ لا تقوم على الصدقات العابرة، بل على إعادة بناء الإنسان.

مدينةٌ تنبثق في قلب الصحراء كواحةٍ من الرحمة، تمتدُّ فيها الأرض كأنها بساطٌ أخضرُ من الأمل، وتشرق فيها الشمس على وجوهٍ كانت بالأمس تبيت في العراء.

هناك تُبنى المساكن النظيفة الكريمة، فيشعر الطفل لأول مرة أن له بيتًا يحتضنه، وغرفةً تأويه، وسريرًا ينام عليه آمنًا مطمئنًّا.

وتقام المدارس التي تراعي ظروف هؤلاء الأطفال، مدارسُ لا تكتفي بالمناهج الجافة، بل تمزج بين العلم والتربية وبناء الشخصية، حتى يستعيد الطفل ثقته بنفسه ويكتشف أن في داخله إنسانًا قادرًا على الحلم والعمل.

وإلى جوار التعليم تُقام الورش التدريبية والمصانع الصغيرة، حيث يتعلم الشباب الحرف والصناعات، فيتحول الطفل الذي كان يمدُّ يده في الطريق إلى عاملٍ ماهرٍ يبني مستقبله بيده.

وتنتشر في المدينة الحدائق الخضراء والملاعب الرياضية، لأن النفس الإنسانية تحتاج إلى الجمال كما تحتاج إلى الخبز، وإلى الرياضة كما تحتاج إلى العلم.

وفي قلب المدينة يرتفع مسجدٌ كبيرٌ يفيض بالسكينة والإيمان، وإلى جواره كنيسةٌ عامرة بالمحبة والسلام، في صورةٍ حضاريةٍ تعكس روح مصر التي عاشت قرونًا طويلة تحت سماءٍ واحدة وقلبٍ واحد.

كما تقوم في أطراف المدينة مزارعُ حديثةٌ وصوبٌ زراعيةٌ ومزارعُ سمكيةٌ وحظائرُ للماشية ومصانعُ للألبان والجبن، حتى تصبح المدينة مجتمعًا إنتاجيًّا مكتفيًا بذاته.

وليس هذا الحلم بعيدًا عن الواقع؛ فقد سبقت دولٌ عديدة في العالم إلى تجارب ناجحة في هذا المجال، حيث تحولت برامج إعادة التأهيل الاجتماعي إلى جسورٍ أعادت آلاف الأطفال من الشوارع إلى الحياة الطبيعية.

ويؤكد خبراء علم الاجتماع أن إنقاذ الطفل المشرد في سن مبكرة يحمي المجتمع مستقبلًا من الانحراف والجريمة، لأن الإنسان إذا تُرك للفقر والضياع بلا رعاية قد يتحول إلى ضحيةٍ للانحراف، أما إذا احتضنه المجتمع بالتعليم والعمل فإنه يصبح طاقة بناءٍ لا طاقة هدم.

وقد كان علماء الأزهر الشريف عبر تاريخهم يؤكدون أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا سياسيًّا، بل روحٌ من أرواح الإسلام.

فكان الشيخ الجليل محمد الغزالي يرى أن المجتمع الذي يترك الفقراء والمساكين دون رعاية إنما يسيء إلى روح الدين قبل أن يسيء إلى إنسانيته.

وكان الإمام محمد متولي الشعراوي يردد أن المال في الإسلام أمانةٌ في يد صاحبه، وأن للفقراء حقًّا معلومًا فيه.

وكذلك كان كبار علماء التصوف والزهد يرون أن الرحمة بالإنسان طريقٌ إلى رضا الله.

إن إنشاء مدينةٍ إنسانيةٍ لرعاية أطفال الشوارع والمتسولين ليس عملًا خيريًّا فحسب، بل هو مشروعٌ حضاريٌّ واقتصاديٌّ وأمنيٌّ عظيم.

فالإنفاق على التعليم والرعاية الاجتماعية أقلُّ كلفةً بكثيرٍ من علاج آثار الجريمة والانحراف.

الدولة التي تنقذ طفلًا من الشارع إنما تنقذ مستقبلًا كاملًا.

والدولة التي تحمي الإنسان من الضياع إنما تحمي المجتمع كله.

وقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة نهضةً عمرانيةً كبرى في طريق بناء الجمهورية الجديدة، حيث نجحت الدولة في القضاء على مناطق عشوائية خطيرة، وبناء مجتمعاتٍ حضاريةٍ حديثةٍ تليق بكرامة المواطن المصري.

ومن هنا فإن هذا المشروع الإنساني يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًّا لهذه المسيرة الوطنية.

ولهذا فإن النداء الصادق يتجه إلى محافظ بني سويف، وإلى أعضاء مجلس النواب والشيوخ، وإلى كبار رجال الأعمال الوطنيين، وإلى وزارة الأوقاف ووزارة التضامن الاجتماعي، وإلى كل مؤسسات الدولة، لكي تتكاتف جميعًا في إنشاء هذه المدينة الإنسانية الراقية.

فمصر التي علمت العالم معنى الحضارة لا يليق بها أن ينام أطفالها على الأرصفة.

وما أجمل أن نستيقظ يومًا فنجد أن أولئك الأطفال الذين كانوا بالأمس ينامون في الشوارع قد أصبحوا طلابًا في المدارس، وعمالًا في المصانع، ومزارعين في الحقول، وفنانين يرسمون لوحات الأمل على جدران الحياة.

حينها ستفوح من أرض مصر رائحة الورد والفل والياسمين، ويغني الأمل لحنه الجميل كما يعزفه مايسترو بارع على أوتار الإنسانية.

وسيكتب التاريخ أن هذا الوطن العظيم لم يكتفِ ببناء الطرق والكباري والمدن، بل بنى قبل ذلك الإنسان.

فالوطن الذي يحتضن الضعفاء يصبح أقوى.

والوطن الذي يفتح قلبه للفقراء يفتح أبواب المستقبل لأبنائه جميعًا.

وهكذا تظل مصر، كما كانت دائمًا، وطنًا يشبه النيل في عطائه، والشمس في دفئها، والورد في جماله، وقلب الأم في رحمته.