رمضان ابو اسماعيل يكتب: سيناريوهات السيطرة علي غول المديونية!
- خفض خدمة الدين يتيح مساحة أكبر للاستثمار في قطاعات خدمية
- الأداء الجيد دفع ستاندرد اند بورز لرفع التصنيف الائتماني لمصر
- السردية الوطنية تخطط لخفض الدين لـ 75% في 2028/2029
- المالية تحسن كفاءة الإدارة وتوزع أعباء مدفوعات الفوائد بشكل متوازن
- استراتيجية حكومية لتنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على حساب الخزانة الموحد
استحوذت قضية الدين العام الأونة الأخيرة علي جانب كبير من حديث المصريين، بعدما صرح د. مصطفي مدبولي رئيس الوزارء، في أحد المؤتمرات الصحفية، أن الحكومة تعمل وفق رؤية واضحة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 عاماً، وأن أموال الديون التي حصلت عليها الدولة تم توجيهها لبناء بنية أساسية قوية ودعم قطاعات حيوية تمس حياة المواطن بشكل مباشر.
هذا وقد تراجعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، بحسب د. مدبولي، من 96% قبل عامين إلى نحو 84% حالياً، وأن الدولة دخلت -بالفعل- في المسار التنازلي للدين، وأنه -بالتأكيد- مع تراجع أسعار الفائدة علي الصعيدين المحلي والدولي مع تراجع معدلات التضخم تنخفض أعباء خدمة الدين، بما يتيح مساحة أكبر للاستثمار في قطاعات خدمية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
ويعد مؤشر نسبة الدين العام للناتج المحلي أحد أهم المؤشرات التي يتم الاعتماد عليه في تقييم التطور في حجم الدين العام، لكونه يصف التطور الحاصل في الدين مقارنة بالتطور الحاصل في حجم الاقتصاد. الأمر كشخصين الأول اقترض 100 ألف جنيه لتوظيفه في تشطيب شقة سكنية فيما اقترض آخر 500 ألف جنيه لشراء سيارة خاصة، ولأول وهلة نتفق علي أن ديون الأول أقل بكثير مقارنة بدين الثاني، لكن يتغير الرأي عندما نعلم أو الدخل السنوي للأول 50 ألف جنيه قيما يقدر الدخل السنوي للثاني 5 ملايين جنيه.
الحكم تغير -بالتأكيد- في الحالة السابقة، بعدما تبين أن دين الشخص الأول يمثل 5 اضعاف دخله السنوي بمعني أنه يمثل 500% من دخله السنوي فيما يمثل دين الشخص الثاني يمثل 20% فقط من دخله السنوي، وهنا يجب علي الشخص الأول لتفادي مخاطر هذا الدين أن يتحرك في اتجاهين لا ثالث لهم.
السيناريو الأول: العمل علي خفض أصل الدين بسداد الاقساط في مواعيدها مع تقليل الاقتراض، وهذا ما بدأته الحكومة -بالفعل- عندما حددت سقف للاستدانة.
السيناريو الثاني: العمل علي زيادة الدخل الخاص به، وهكذا تعمل الحكومة أيضا علي زيادة الناتج المحلي الاجمالي باتخاذ كل ما يلزم من سياسات واجراءات من شأنها زيادة القدرة التشغيلية للاقتصاد بما يسمح بجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والاجنبية خصوصا في القطاعات الواعدة مثل السياحة والصناعة والاتصالات وغيرها.
وبلغ صافي الدين المحلي بنهاية يونيو 2025، وفقا لوزارة المالية، نحو 16.638 تريليون جنيه (تمثل 95.3% من الناتج المحلي الإجمالي) منها دين خارجي قدره 3.892 تريليون جنيه (نحو 161 مليار دولارا) (تمثل 22.3% من الناتج المحلي)، علما أن دين الحكومة العامة يتكون من مجموع دين أجهزة الموازنة العامة (الجهاز الإداري – الهيئات العامة الخدمية – الإدارة المحلية) ودين الهيئات العامة الاقتصادية.
وتمثل هذه المديونية ضغطا كبيرا علي الموازنة العامة للدولة، حيث تبلغ إجمالي قيمة خدمة الدين في موازنة العامة نحو 4.382 تريليون جنيه، تقسم بواقع 2.298 تريليون جنيه فوائد ديون، و2.084 تريليون جنيه اقساط دين تستحق خلال العام المالي الجاري بما يزيد عن 100% من إجمالي الايرادات العامة المتوقع تحقيقها خلال العام المقدرة بنحو 3.119 تريليون جنيه، علما أن قيمة مدفوعات خدمة الدين الخارجي بلغت في 2024 / 2025 نحو 38.7 مليار دولار، مقارنةً بـ32.9 مليار دولار في 2023/2024، بزيادة 17.6%.
وتمثل خدمة دين أجهزة الموازنة العامة أحد أهم تحديات السياسة المالية، وذلك على الرغم من الأداء الجيد على صعيد المالية العامة، بما في ذلك خفض حجم الدين ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 12% علي مدار العامين السابقين، ما دفع -بدوره- مؤسسة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني في أكتوبر 2025 إلي رفع درجة التصنيف الائتماني للمرة الاولى منذ سبع سنوات، مما يو ّكد تصاعد الثقة الدولية في اداء ومستقبل الاقتصاد المصري.
غير أنه ما تزال خدمة دين أجهزة الحكومة تمثل أحد أبرز التحديات، إذ تستحوذ على نحو 50% من إجمالي المصروفات العامة وحوالي 72% من إجمالي الإيرادات في العام المالي 2024 / 2025 وهي من أعلى النسب مقارنة بالدول النظيرة، وأن هذه الزيادة الملحوظة في خدمة الدين تعود إلي استمرار ارتفاع أسعار الفائدة نسبياً بالرغم من الانخفاض الملحوظ في معدلات التضخم وهو ما يؤدي الي زيادة سعر الفائدة الحقيقي مقارنة بالدول الناشئة، والتر ّكز النسبي لمحفظة الدين المحلي لدى القطاع المصرفي، مما يحد من استجابة عوائد أذون وسندات الخزانة لقرارات خفض سعر الإقراض والخصم من قبل البنك المركزي، وبنا ًء عليه يجب تكاتف الجميع للسيطرة وخفض فاتورة خدمة الدين بشكل مؤثر خلال السنوات القادمة.
وأمام تعاظم أثر عبء الدين، لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي بل تعمل جاهدة علي مواجهة هذه الأزمة عبر العديد من السيناريوهات المدروسة لتحقيق المأمول، الذي يتمثل بحسب السردية الوطنية للاقتصاد المصري، الصادرة مؤخرا عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، في خفض نسبة الدين للناتج المحلي تدريجيا بحيث تنخفض من 85% في عام 2024/ 2025 إلى 81% في 2025/ 2026، ثم إلى 79% في 2026/2027، ونحو 77.5% في 2027/2028، و75% في 2028/2029.
وتعمل وزارة المالية علي تنفيذ خطة محكمة لإدارة ملف الدين العام لتحسين كفاءة الإدارة وتوزيع أعباء مدفوعات الفوائد على مدار السنة المالية بشكل متوازن، وتنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على حساب الخزانة الموحد، مع الالتزام بالحدود القانونية للدين، حيث تعمل الاستراتجية علي خفض الدين العام إلى أقل من 80% من الناتج المحلى الإجمالي، مقارنة مع 85.6% بنهاية العام المالى الماضي، وخفض الدين الخارجى بمقدار يتراوح بين 1 و2 مليار دولار سنويًا.
ويأتي خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة وأعباء خدمته بشكل كبير ومؤثر، بحسب ما جاء في تقرير استراتيجية الدين متوسطة الأجل للفترة 2026 / 2029 الصادر عن وحدة السياسات المالية بوزارة المالية، كأحد الأهداف الرئيسية على المدى المتوسط، فبعد القدرة علي خفض مؤشرات دين أجهزة الموازنة من نحو 96% من الناتج المحلى في يونيو 2023 إلى نحو 84% من الناتج في يونيو 2025 أي انخفاض بنحو 12 نقطة مئوية من الناتج المحلى في عامين فقط، وكذلك خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بمقدار 4 مليارات دولار خلال نفس الفترة، فتستهدف وزارة المالية استمرار الاتجاه النزولى لمؤشرات دين أجهزة الموازنة لتبلغ أقل من 70% من الناتج بحلول عام 2030 .
وتعمل وزارة المالية علي تحقيق هذه المستهدفات من خلال استمرار تحقيق فائض أولى في الموازنة العامة سنويا والعمل علي ً تنمية موارد الموازنة خاصة الضرائب بشكل داعم للنمو المستدام والاستفادة من تراجع أسعار الفائدة واستخدام أي عوائد استثنائية من برنامج التخارج وبيع الأصول لخفض رصيد دين أجهزة الموازنة، وتطبيق صفقات لمبادلة الديون بالاستثمارات، وإجراءات إضافية اخري بغرض تكاتف الدولة نحو تحقيق هدف خفض الدين، وكذلك الاستمرار في تطوير إدارة دين أجهزة الموازنة من خلال تنويع الأدوات وقاعدة المستثمرين وتطويل آجال دين أجهزة الموازنة العامة بما يحقق وفر في تكلفة التمويل وتقليل الأعباء والمخاطر.
وفى اطار استمرار الضبط المالي، وفقا لوزارة المالية، يتم العمل علي الحفاظ على وتيرة الإصلاحات المالية والهيكلية والعمل على تحقيق فائض أولى خلال العام الجاري 2025 / 2026 بنسبة 4% من الناتج المحلي الإجمالي مع استمرار جهود دفع نمو المسار الاقتصادي، وكذلك زيادة مستويات الانفاق الاجتماعي والتنمية البشرية، وأنه -بالتأـكيد- سيسهم الانخفاض التدريجي فى اسعار الفائدة ارتباطاً بانخفاض معدلات التضخم فى حدوث تراجع مستمر فى عجز الموازنة الكلى لينخفض من 7.2% من الناتج فى عام 2024 / 2025 إلى نحو 4.9% عام 2026 / 2027 .
ويتحقيق ذلك، وفقا لاستراتيجية وزارة المالية، بالاعتماد على تنمية الإيرادات العامة مع نمو المصروفات الأولية (بدون مصروفات الفوائد (كنسبة للناتج المحلي الاجمالي على المدى المتوسط)،ـ وزيادة الايرادات الضريبية بنسبة لتبلغ نحو 14.4% من الناتج المحلي عام 2026 / 2027، وأن ترتفع إلى نحو 15.2% بحلول عام 2029 / 2030، وهو معدل يقارب الحد الادنى المتعارف عليه فى الأسواق الناشئة، وأنه في سبيل تحقيق هذه الزيادة فى الإيرادات الضريبية سيتم الاستمرار فى تطبيق حزم الاصلاحات والتسهيلات الضريبية لتوسيع القاعدة الضريبية مع السعى إلى تطبيق الاجراءات ذات الأثر الاقل والمحدود على معدلات التضخم مثلما حدث خلال العام الماضي.
وتعمل وزارة المالية، بحسب تقرير وحدة السياسات الكلية، على الانتهاء من وثيقة السياسات الضريبية على المدى المتوسط بما يحقق وضوح لرؤية وتوجهات وزارة المالية نحو السياسة الضريبية وبما يضفى الاستقرار والقدرة على التوقع من جانب الممولين وقطاع الأعمال، بالإضافة إلي العمل علي تنمية الإيرادات غير الضريبية من خلال تدعيم مفهوم وحدة الموازنة من خلال زيادة الفوائض المحولة من الهيئات والشركات المملوكة للدولة الي الخزانة العامة وبهدف دعم قدرة الدولة في تخصيص الموارد لأولويات الإنفاق بأدوات متعددة ومختلفة تحقق هذه الأهداف.
أما على جانب المصروفات، فإنه وبحسب استراتيجية وزارة المالية من المتوقع انخفاض مدفوعات الفوائد كنسبة من الناتج المحلى الاجمالى كنتيجة لإستمرار السيطرة على معدلات دين أجهزة الموازنة وتراجع أسعار الفائدة مع انحسار معدلات التضخم، وأنه من المنتظر أن تعطي الحكومة أولوية للإنفاق على الصحة والتعليم وبرامج الحماية الاجتماعية، ومع مساندة القطاعات المختلفة لتطوير الخدمات الأساسية للمواطنين والانفاق التنموى بما ينعكس على تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين بشكل ملموس.
وتتيح الإصلاحات الهيكلية، والتسهيلات الضريبية المستمرة فى إطار من الشراكة مع مجتمع الأعمال، والسياسات المحفزة التي تقوم بها الحكومة لتحسين مناخ الاستثمار، والمبادرات المساندة للتصدير والقطاعات المستهدفة، والتوسع في مشروعات المشاركةمع القطاع الخاص، واستغلال اتفاقيات التجارة القائمةمع شركائنا الرئيسيين، والاستفادة من البنية التحتية التي تم بناؤها خلال السنوات الماضية، فرصاً متزايدة لرفع معدلات مدفوعاً النمو إلى نحو ٪٦-٥ على الأقل في المدى المتوسط بالاستثمارات الخاصة ونمو الصادرات غير فرص تشغيلية متزايدة قادرة على استيعاب الداخلين إلى سوق العمل سنوياً البترولية، وتوفير ، ومع استمرار التحكم في مستويات الأسعار من خلال خفض معدلات التضخم إلى المعدلات المستهدفة، مع انخفاض تدريجى متوقع فى متوسط أسعار الفائدة للإصدارات الجديدة من الأذون والسندات.
