مدحت عادل يكتب: التصنيف العادل لعقود الإيجار القديم
أضحى ملف الإيجار القديم اليوم من أعقد القضايا الاجتماعية والقانونية التي تواجه الدولة المصرية، ليس فقط لتشابكه مع حياة ملايين الأسر، بل لكونه اختبارًا حقيقيًا لمبادئ العدالة الدستورية وقدرة المشرّع على التوازن بين حماية الملكية الخاصة واستقرار المراكز القانونية. إن أي محاولة لفرض حلول "جماعية" أو معالجات صادمة لن تكون سوى وصفة للطعن بعدم الدستورية وتهديد السلم المجتمعي.
المبدأ الدستوري: بوصلة الإصلاح
لا يمكن صياغة أي تشريع جديد بمعزل عن القواعد التي أرستها المحكمة الدستورية العليا، والتي تؤكد أن تنظيم العلاقة الإيجارية يجب أن يستند إلى العدالة الاجتماعية، وصون الملكية الخاصة، وحظر الإثراء بلا سبب، مع ضمان المساواة بين المراكز القانونية المتشابهة. هذه المبادئ ليست مجرد نصوص، بل هي سياج يحمي التشريع من الانهيار أمام القضاء.
فخ المعاملة الجماعية
يتمثل الخطأ الجسيم في الطروحات الحالية في النظر إلى "عقود الإيجار القديم" ككتلة واحدة صماء، متجاهلة تباين التواريخ والظروف الاقتصادية والتعاقدية التي نشأت فيها. فمن الناحية الدستورية، الصواب هو "التصنيف" لا "التعميم"؛ أي فرز العقود وفق معايير موضوعية تفرق بين الحالات المختلفة بدلاً من سحقها تحت مقصلة تشريع موحد لا يفرق بين مراكز قانونية متباينة.
معايير التصنيف العادل
لتحقيق توازن حقيقي، يجب أن يستند الإصلاح إلى ستة معايير جوهرية:
1. البعد الزمني وسنة التعاقد:
لا يستقيم منطقياً ولا قانونياً مساواة عقد أُبرم في الأربعينيات بعقد أُبرم في الثمانينيات. فكل حقبة زمنية حملت فلسفة تشريعية وظروفاً اقتصادية مختلفة تماماً، واختلاف الزمن يعني بالضرورة اختلاف الإرادة التعاقدية والتوازن المالي بين الطرفين.
2. القيمة الإيجارية والالتزامات التعاقدية:
يجب النظر في الأجرة الأصلية وما طرأ عليها من زيادات قانونية أو تعديلات رضائية. فالعقد هو شريعة المتعاقدين، ولا يجوز القفز فوق التوافقات المالية التي تمت وقت التعاقد دون مبرر دستوري قوي يراعي أصل القيمة الإيجارية المكتوبة.
3. المساحة الفعلية للوحدة:
المساحة هي معيار عالمي في التقييم العقاري والضريبي، فمن غير العادل مساواة وحدة سكنية صغيرة بمساحة 40 مترًا بأخرى تتجاوز 200 مترًا. تجاهل هذا المعيار في تحديد القيمة أو مصير العقد يمثل "شططاً تشريعياً" يفتقر للمعايير الموضوعية.
4. عبء التجهيزات والتشطيبات:
هناك فارق قانوني وجوهري بين مستأجر تسلم عيناً كاملة التشطيب، ومستأجر آخر تحمل عبء تأسيسها أو أدخل عليها تحسينات جوهرية من ماله الخاص. في الحالة الأخيرة، يصبح المستأجر شريكاً في القيمة الاقتصادية للعين، وهو مركز قانوني تحميه قواعد الإثراء بلا سبب في القانون المدني.
5. ملكية المرافق وحيازتها:
يُعد تسجيل المرافق (كهرباء، مياه، غاز) باسم المستأجر قرينة قوية على الحيازة المستقرة وتحمل أعباء الملكية الفعلية. وقد فرق قضاء النقض بوضوح بين "المنتفع المؤقت" و"الحائز المستقر"، وهو ما يجب أن ينعكس في أي تنظيم جديد.
6. الموقع الجغرافي والمكاني داخل العقار:
الموقع هو جوهر القيمة العقارية؛ فالدور الأرضي يختلف عن الأدوار العليا، وتوافر المصعد من عدمه يغير من طبيعة العين. إن مساواة الوحدات رغم اختلاف مميزاتها المكانية يخل بمبدأ العدالة والمساواة في التقييم.
كلمة أخيرة
إن أي تنظيم لا يضع هذه المعايير في اعتباره سيكون تنظيماً مشوباً بعيب عدم الدستورية ومهدراً للحقوق المكتسبة. العدالة تقتضي ألا يُقاس الملف بمسطرة واحدة، بل بمنظومة تصنيف ذكية تراعي سنة التعاقد، والقيمة، والمساحة، والجهد المبذول في العين، والموقع، لضمان صياغة عقد اجتماعي جديد يحترم الجميع ولا يظلم أحداً.
