الثلاثاء ١٣ / يناير / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سامي محمود يكتب: رؤية لبناء الشخصية السوية

سامي محمود يكتب: رؤية لبناء الشخصية السوية
صدي بني سويف

حين تصبح القيم والأخلاق الحميدة والرفيعة مشروع وطن، نؤمن أننا وضعنا أرجلنا على الطريق المستقيم.

وفي مستهل الحديث، ومن باب الإنصاف الوطني والواجب الأخلاقي والاعتراف بالفضل لأهله، لا يسع المتابع المنصف إلا أن يُثمِّن الدور الذي تقوم به الدولة المصرية في إعادة الاعتبار لمنظومة القيم، وترسيخ الهوية الثقافية والدينية الوسطية، وعلى رأس ذلك برنامج التلاوة، الذي جاء برعاية واعية تعكس رؤية دولة تدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معارك البناء والتنمية.

إن ما تحقق في هذا البرنامج يُحسب بوضوح لصالح الدولة المصرية وقيادتها السياسية، وعلى رأسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ما فتئ يؤكد في كل مناسبة أن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة، وأن الارتقاء بالوجدان الديني والفكري ضرورة وطنية لا رفاهية ثقافية. كما يُحسب هذا الجهد لوزارة الأوقاف المصرية، قيادة ومؤسسات، التي قدّمت نموذجًا راقيًا لخطاب ديني مستنير، يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين جمال الأداء وعمق المعنى.

لقد جاء برنامج التلاوة ليؤكد أن الدولة المصرية لا تعادي الدين، ولا تُقصيه عن المجال العام، بل تحتضنه في صورته الصحيحة والنقية والمتوازنة، وتقدّمه للناس جمالًا وروحًا ومعنى. لم يكن البرنامج مجرد مسابقة لتحسين الأصوات أو استعراض المقامات، بل كان مشروعًا ثقافيًا وروحيًا أعاد للقرآن الكريم مكانته في الوجدان العام، وربط بين جمال الصوت وخشوع القلب، وبين دقة الأداء وحضور المعنى، في صورة تليق بعظمة النص وقدسيته.

ومن هذا النجاح اللافت، تتجلى الحاجة الملحّة إلى توسيع الأفق، وتحويل التجربة من إطارها الفردي إلى رؤية ثقافية شاملة، تجعل من القيم مشروعًا وطنيًا متكاملًا، ومن الجمال الأخلاقي سياسة عامة، ومن الوعي مسارًا مستدامًا. فالوطن، في جوهره العميق، ليس مجرد مساحة جغرافية تُحدَّد بالخرائط، ولا كيانًا سياسيًا يُقاس بالحدود، بل هو منظومة أخلاق وسياق وعي وضمير جمعي، فإذا صلح صلح كل شيء.

ومن هنا تبرز فكرة دولة السنة النبوية، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لروح برنامج التلاوة، ومشروعًا تربويًا ومعرفيًا يعيد للسنة النبوية مكانتها في الفهم والسلوك. دولة لا تكتفي بالحفظ المجرد، بل تُعلي من شأن الفهم، وتربط النص بالمقصد، والحديث بالسلوك، لتتحول السنة من محفوظات ذهنية إلى حياة تُعاش، وأخلاق تُمارس، وقيم تمشي على الأرض.

وفي السياق ذاته، تبرز دولة الشعراء والأدباء، بوصفها منصة حضارية لإحياء الشعر العربي الأصيل، واللغة العربية الفصحى الموزونة المقفّاة، بعيدًا عن التشويه اللغوي والانفلات التعبيري. دولة تُعيد للكلمة هيبتها، وللأدب رسالته، وللشعر مكانته بوصفه فنًا راقيًا يُهذّب الذوق ويصنع الوعي، لا وسيلة صخب أو ابتذال.

ولا يكتمل مشروع القيم دون الالتفات إلى جوهر الإنسان وسلوكه، ومن هنا تأتي دولة الأخلاق، تلك المبادرة العميقة التي تُحدث انقلابًا راقيًا في معايير التقدير المجتمعي. مسابقة وطنية لا تبحث عن جمال الوجوه، بل عن جمال النفوس، ولا تُتوِّج الأشكال، بل تُتوِّج القيم، اختيار أفضل رجل و أفضل امرأة خُلُقًا على مستوى كل مدينة مصرية، وفق معايير الصدق، والأمانة، والرحمة، وخدمة الناس، ليصبح الخُلُق قيمة معلنة وقدوة محتفى بها.

أما دولة الفن، فهي دعوة صريحة لإعادة الفن إلى مكانه الطبيعي بوصفه رسالة أخلاقية وجمالية في آن واحد. فن يحترم عقل المشاهد، ويصون الذوق العام، ويراعي القيم الحميدة في القصة والموضوع والأداء والملابس والرسالة. تكريم أفضل مسلسل وأفضل فيلم وأفضل مسرحية، ليس بناءً على الضجيج أو الإثارة، بل على مقدار ما يقدمه العمل من قيمة إنسانية وأخلاقية راقية.

وتتواصل حلقات الرؤية عبر دولة التأليف، التي تُكرّم الكتب التي كُتبت لخدمة الدولة والمجتمع والإنسان، وتحمل هم الوطن، وتُسهم في تشكيل وعي الناس وبناء مستقبلهم. هنا يصبح الكاتب شريكًا في النهضة، والقلم أداة بناء لا هدم.

ويأتي الختام مع دولة المقال، حيث تُحتفى المقالات الصحفية والفكرية التي كتبت بضمير حي، ودافعت عن الإنسان، ورفعت القيم الرفيعة، وقدّمت خطابًا عقلانيًا وأخلاقيًا يليق بمكانة الكلمة ومسؤوليتها.

إنها رؤية وطنية متكاملة، تنسجم مع توجهات الدولة المصرية في بناء الإنسان، وتعزيز الوعي، وترسيخ منظومة القيم. رؤية تؤمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن الأخلاق حين تتحول إلى مشروع دولة، يصبح المستقبل أكثر أمنًا، وأكثر جمالًا، وأكثر قدرة على الاستمرار.

هكذا تُبنى الأوطان الحيّة، وهكذا تُصان القيم، وحين تتلاقى الإرادة السياسية مع الوعي الثقافي، تصبح مصر — كما كانت دائمًا — دولة المعنى، منارة النور، وعاصمة القيم في زمن التحديات.