الخميس ٠١ / يناير / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سامي محمود يكتب: قلوب تُضيء الطريق

سامي محمود يكتب: قلوب تُضيء الطريق
صدي بني سويف

يا الله… ما أوسع رحمتك حين تُلقي في قلب الوطن قبسًا من نور، يتوهّج في العتمة، ويُرشد الخطى الحائرة، ويُنبِت في أرواحنا يقينًا بأن الخير لا ينطفئ، وأنّ يد العطاء أقوى من أي ظلام. وما أكرمَ فضلك حين تجعل قلوب الناس منارات، تلمع في دروب الفقراء، وتكنس من حولهم ركام العوز، وتُطفئ ليل الفقر كما يُطفئ الفجرُ ظلمة الليل الطويل. وفي وطنٍ مثل مصر، وطنٍ يجيد الرحمة كما يجيد التاريخ، وتعرف أرضه معنى الكرامة كما تعرف جذورها معنى الأصالة، كانت الدولة وما تزال تمدّ يدها الحانية إلى كل محتاج، وتغطي بظلّها كل ضعيف، وتبذل من جهدها ما يشبه الجود الإلهي في سعة عطائه وعدالة مقصده.


ومن الإنصاف أن نقول كلمة حق: لقد حملت الدولة المصرية فوق عاتقها أمانة الفقراء، وواجهت بصلابة ظروفًا قاسية، ومدّت من خزائنها ما يخفف عن ملايين البيوت وجع الحاجة. ومن الوفاء لهذا الوطن أن نقدم رؤية تُعين، لا رؤية تُعاتب؛ رؤية تمسح على رأس الجائع رحمة، وتضع على كتف الدولة سندًا، وعلى قلب المجتمع نورًا يليق بمصر التي لا تترك أبناءها مهما اشتدّت العواصف.


ومن هذا الوعي تولد هذه الرؤية؛ رؤية تمزج بين قلوبٍ تُضيء الطريق وخارطة نور تُطفئ ليل الفقر، فتجمع بين الروح والقانون، بين العاطفة والإدارة، بين هدي القرآن، ونور السنة، وحكمة التجربة، وحنان الدولة التي تريد الكرامة قبل اللقمة، والعزة قبل العطاء.


ولأن الطريق يبدأ بالمعرفة، كان لزامًا أن تتوحّد بيانات الفقراء والمحتاجين، وأن تُبنى قاعدة مركزية وطنية شاملة، تُسجَّل فيها كل أسماء المستفيدين من المعونات، وكل من يتلقى دعمًا من الجمعيات الأهلية، وكل نشاط خيري يتحرك على أرض الوطن. فالفقر لا يُعالج بالعشوائية، والرحمة لا تُدار بالفوضى. والحق لا يصل إلى صاحبه إلا حين تكون الصورة كاملة، بلا ازدواج، وبلا تكرار، وبلا يد تمتد مرتين بينما تُحرم يدٌ أخرى من مرة واحدة.


وتُعدّ هذه القاعدة، في حقيقتها، محرابًا للشفافية، وسياجًا منيعًا ضد العبث، وجدارًا يحمي المال العام من أن يُهدر في غير مستحق. وتصبح كل فروع الجمعيات الخيرية، في هذا النظام، أذرعًا رسمية تابعة للجنة الزكاة بالأزهر الشريف، تعمل بإيصالات قانونية، وتخضع لإشراف مالي صارم، وتستقبل الزكاة والصدقات وأموال النذور والعقيقة وكفارات الأيمان وكل ما يتبرع به أهل الخير من داخل الوطن أو خارجه.


وتنبثق من هذا التصور وحدة منسجمة، تنتقل فيها منظومة العمل الخيري من المزاج الفردي العشوائي إلى البناء المؤسسي الراسخ، وتتوحّد فيها اتجاهات العطاء كما تتوحّد مجاري الماء حين تصبّ في نهر واحد.


ولكي يتجسّد العدل في واقع الناس، يتعيّن على هذه المنظومة أن تُدار على نهج منظومة الخبز، بحيث لا يصرف الفرد إعانته إلا مرة واحدة، وببطاقة موحّدة، وبضوابط تُنقّى دوريًا، حتى لا يتسلّل إليها غير المستحق، ولا تُحرم منها يدٌ كانت تنتظر الفرج. فالإعانة ليست هبة عابرة، بل هي حق من حقوق المصارف الشرعية الثمانية التي حدّدها الله تعالى في قوله:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ من سورة التوبة، وهي آية جامعة تُنظّم حركة المال، وتضع حدودًا العدالة، وتُشعل في القلوب نور المسؤولية.


كما حذر الله تعالى من منع الزكاة بقوله:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في سورة التوبة،

وقال أيضًا في سورة آل عمران:

﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

وجاء في السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صُفِّحت له صفائح من نار». وجاء قوله الشريف: «ما نقص مال من صدقة»، وقوله: «الراحمون يرحمهم الرحمن».


هذه النصوص المباركة ليست للتخويف وحده، بل للتربية، للفهم، لتعليم الأمة أن الزكاة ليست نافلة، بل ركن حياة؛ ليست صدقة نوافل، بل نظام عدالة. وحين تُدار ضمن منظومة مؤسسية تستوعب الدولة والمجتمع معًا، تتحول إلى طاقة نور تُبدد ظلمات الفقر.


ومن أكثر ما تحتاجه هذه المنظومة هو أن تُدار بروح الفريق الواحد، ومن هنا تأتي الدعوة إلى توأمة حقيقية بين لجنة الزكاة بالأزهر الشريف، ووزارة الشؤون الاجتماعية، وهيئة الأوقاف. لا جزرًا معزولة، ولا طرقًا متباينة، بل قلبًا واحدًا ينبض بثلاث شرايين، يتكاملون كتكامل نغمات العود إذا اجتمعت فأعطت أجمل لحن. ويُمثل الوزارة والأوقاف في اللجنة مسؤولون رفيعو المستوى، يملكون صلاحيات واسعة، تضع حدًا للبيروقراطية، وتفتح باب الانسياب الإداري السلس الذي يجعل القرار يولد واضحًا، نافذًا، سريعًا، بلا توقف ولا تعطيل.


وحين نصل إلى الاستثمار، نعرف أن العطاء إن لم يُستثمر، ذبل. وأن المال إن لم يعمل، مات. ولذلك لا بد من لجنة اقتصادية عليا تُعنى باستثمار الفائض من أموال الزكاة في مشروعات صغيرة ومتوسطة، وتدريب العاطلين، وتنمية الأسر المنتجة، وتحويل الفقير من متلقٍّ إلى صانع، ومن طالب مساعدة إلى شريك في التنمية. وهذا جوهر الحكمة التي قيلت عبر الزمن: لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطادها.


وحتى يضمن الوطن موردًا دائمًا، ويؤسس لوقف اقتصادي ضخم، تُدعى الدولة — وهي دائمًا كريمة السخاء — إلى تخصيص أرض واسعة تمتد مائة ألف فدان، لتُزرع بالنخيل والزيتون والأخشاب الثمينة. وتُقام بجوارها مصانع متكاملة لعصر الزيت، وتصنيع الأخشاب، وتعبئة البلح وتجفيفه. ويُسند العمل فيها إلى أبناء الفقراء أنفسهم، ليكونوا هم العاملون، وهم المستفيدون، وهم بناة الغد، ينقلون أنفسهم من العوز إلى الكفاية، ومن الحاجة إلى الإنتاج، ومن الاعتماد إلى المشاركة.


وفي قلب هذه الرؤية يقف البعد الروحي، البعد الذي يجعل الفقر مسؤولية، لا ذنبًا، ويجعل المحتاج بابًا من أبواب الرحمة، لا بابًا من أبواب الخطيئة. وقد قال ابن عربي: من رأى في الفقير وجهًا لله، لم يهن عليه أن يراه محتاجًا. وقال الجنيد: الفقير باب من أبواب الرحمة. وهذا العمق الروحي يجعل من مشروع مكافحة الفقر مشروعًا إنسانيًا قبل أن يكون اقتصاديًا، ومشروع كرامة قبل أن يكون مشروع دعم.


ولأن العلم كنز لا ينبغي أن يظل حبيسًا، يصبح لزامًا أن تُستثمر آلاف رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت خرائط الفقر، والتنمية الريفية، وتمكين المرأة، وتطوير القرى؛ فتتحول إلى سياسات واقعية، لا أوراقًا نائمة في مكتبات الجامعات.


وحتى تنضج هذه الصورة، يجب أن تتحول المساجد والكنائس إلى مراكز خدمة، تُقدم دورات مجانية، وتوعية اجتماعية، ودعمًا نفسيًا وأسريًا، ومحو أمية مالية، فيتحول الدين إلى نور حياتي، لا طقوس فقط.


ويدخل التعليم في هذه الرؤية باعتباره حجر الأساس، من خلال إضافة منهج مدرسي يعنى بثقافة المال، يعلم الأطفال إدارة الإنفاق والادخار، ويزرع فيهم التفكير الاستثماري منذ نعومة أظفارهم.


ثم تأتي المدن الإنتاجية التي تجمع ورش النجارة والخياطة والصناعات الصغيرة، وتُقدم التدريب والتسويق، وتفتح للفقراء بابًا نحو حياة كريمة. ويأتي الوقف الوطني، الذي يشترك فيه الجميع، ليكون رافدًا خالدًا للفقراء، يساعدهم على النهوض بما يليق بهم وبالوطن الذي يحملهم في قلبه.


إنّ هذه الرؤية ليست رفاهية، بل ضرورة وطن، وضرورة مجتمع يسعى نحو غد لا ينام فيه إنسان جائع، ولا يسير فيه محتاج منكسرًا، ولا يقف فيه الفقير على باب أحد إلا باب الله.


وسيبقى اليوم الموعود آتيًا، يومٌ يسير فيه الفقير مرفوع الرأس، يملك قوت يومه وكرامة نفسه، يومٌ تُصبح فيه العدالة عادة، والرحمة قانونًا، والدعم منظومة، لا مجهود فرديًا، يومٌ يصنع فيه الوطن تاريخًا جديدًا يليق بمصر التي لا تنحني إلا لخالقها، والتي حملت عبر آلاف السنين رسالة العدل والنور.


وإذا كان لكل طريق خطوة أولى، فإن هذه الرؤية هي الخطوة الأولى نحو وطنٍ لا يضيع فيه محتاج، ولا يُترك فيه فقير، وطنٍ تُطفئ فيه خارطة النور ليل الفقر، وتُضيء فيه القلوب كل طريق.