الخميس ٠١ / يناير / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سامي محمود يكتب: قراءة عصرية في لوحة الزواج المصرية

سامي محمود يكتب: قراءة عصرية في لوحة الزواج المصرية
صدي بني سويف

الزواج ميثاقٌ يولدُ من النور قبل أن يكتبه القلم، وعهدٌ يهبط من لحن السماء قبل أن تنطقه الأفواه، وحبٌّ يتكوّن في ضوء الروح قبل أن تلمسه اليدان… هكذا كان الزواج منذ اللحظة الأولى التي خُلقت فيها المرأة من ضلع الرجل منذ الأزل، ويظلّ كلُّ رجلٍ يبحث عن ضلعه حتى تكتمل روحه، ليعودا كما كانا في الأزل نفسًا واحدةً، ومن ضلعٍ واحدٍ ليكتمل به، ومن شطرٍ واحدٍ لا يسعه الوجود إلا إذا اقترن بشطره الآخر. لم يكن الرباط بين الرجل والمرأة عقدًا من ورق، ولا كلمةً يتبادلها الناس، بل كان سرًّا من أسرار الخلق، ولحظةً من لحظات القدر التي تعلن أن الروحين اللتين تلاقَتا كانتا تتهيّآن لهذا اللقاء منذ زمنٍ أقدم من النطق، وأعمق من الوعي، وأصفى من الماء.

ولأن الله حين يكتب الودّ يزرعه في القلوب كما يزرع الضوء في عيون الصباح، خلق للإنسان من نفسه زوجًا، ومن روحه سكنًا، ومن فطرته مودةً ورحمة، فجاء التعبير الإلهي كأنه لحنٌ يتردّد في وجدان الوجود:

﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

وما اختيرت كلمة السكن عبثًا؛ فالسكن هو الوطن، والطمأنينة، وظلّ الروح حين يثقل العناء، وهو المكان الوحيد الذي تعود إليه النفس دون أن تُسأل: لماذا عدتِ؟ وكيف تأخرتِ؟ وماذا حملتِ من جراح الطريق؟

الزواج في حقيقته ليس مودةً تُقتطع من لحظة، ولا شغفًا يُقام على نزوة، بل مقامٌ تتدرّج فيه الأرواح كما يتدرّج الصوفي نحو معرفة نفسه. لذلك جاءت تسمية القرآن له ميثاقًا غليظًا، والغِلظ هنا ليس قسوة، ولا شدة، بل ثِقل ما لا يحتمل الهزل، وجلال ما لا يجوز العبث فيه، وقدسية ما لا يليق إلا بالرعاية والعناية والصدق.

وحين يلتقي الرجل بالمرأة، يلتقي القبطان بالسفينة؛

السفينة ليست خشبًا ومسامير، بل رِقّة الموج، وحنين النسيم، ودفء المرافئ، وبهاء الدفء الذي خُلقت لتؤنِس، ولتطمئن، ولتذيب قسوة العالم من قلب الرجل.

والقبطان ليس صراخًا، ولا غلبة، ولا يدًا تقسو، بل بصيرة، وصبرًا، وحكمة، وذراعين تحفظان اتجاه الرحلة دون أن تخدش السفينة أو تُربك خطواتها.

فإن أحسن القبطان القيادة، طاب البحر، وهدأت الرياح، ورست السفينة في ميناء السكينة.

وإن أساء، اضطرب الموج، واهتز الطريق، وتكسّر الشراع، وتاهت الرحلة، لا لأن السفينة عاجزة، بل لأن اليد التي تقود لم تتعلم لغة البحر، ولم تفهم أن القلب لا يُقاد بالقوة، بل بالرفق.

وفي شرع الله ميزانٌ يُقيم العلاقة حين تختلّ طبائع البشر:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾…

والمعروف روحٌ قبل أن يكون سلوكًا، ونُبلٌ قبل أن يكون واجبًا، وصبرٌ يشبه صلاة القلب.

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾…

معادلةُ عدلٍ تستقيم بها الحياة، فلا يُبخس أحدُ حقَّه، ولا يُحمَّل فوق طاقته.

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾…

قِوامةُ رعايةٍ لا قسوة، ومسؤوليةٍ لا تسلّط، وإنفاقٍ يليق بكرامة المرأة التي جعل الله لها السكن حقًا، والمودة فرضًا، والرحمة أصلًا من أصول العلاقة.

وفي السنة المطهرة تشرق الكلمات كأنها رسائل السماء إلى كل زوج:

«خيركم خيركم لأهله».

«استوصوا بالنساء خيرًا».

«رفقًا بالقوارير».

فالمرأة قارورة نور، تُسعدك إذا ازدانت، وتؤلمك إذا انكسرت، ومن جبر امرأة جبر الله قلبه، ومن أهدر كرامتها أهدر شيئًا من إنسانيته.

وللزوجة حقوق لا يصحّ أن يُقترب منها إلا بالمحبة: حق النفقة، وحق الأمان، وحق الكلمة الطيبة، وحق أن تُرى، وأن تُحترم، وأن يشعر زوجها بدمعتها قبل أن تنزل، وبفرحتها قبل أن تُقال.

وللزوج حقوق لا تُصان إلا بالوفاء: أن تحفظ أسرار بيته، وأن تكون له سندًا في تعب الأيام، ورفيقةً في رحلة العمر، وصديقةً تُصغي حين تسكت الدنيا عنه، وزهرةً تظلّل قلبه إذا ضاقت عليه الحياة.

أما الصوفية، فقد نظروا إلى الزواج نظرة أوسع من ظاهرها، فرأوا فيه طريقًا للعرفان. قال الجنيد: «الزواج سُنّة من سنن الحق، وفي السُّنة نور». وقال ابن عربي: «المرأة مرآة الرجل، يرى فيها صورته الروحية، فإن صفَت صفا قلبه». وقال الغزالي: «الأنس بين الزوجين أصل السعادة الدنيوية، ومفتاح الصفاء». ورأوا أن البيت الذي يصفو بين زوجين يشبه الزاوية الروحية؛ تُقرأ فيه أوراد الصبر، وتُقام فيه صلاة العاطفة، وتُرفع فيه دعوات الحب الذي يُزكّي القلب ويمحو غبار اليوم. فحين تنظر المرأة إلى زوجها بعين الرحمة، يطهر قلبها، وحين ينظر الرجل إلى زوجته بعين الستر، يشرق داخله نور. إنه مقام يرقى فيه الإنسان من محبة الخلق إلى محبة الخالق، لأن الله جعل الرحمة أصلًا في العلاقة، ومن عرف الرحمة عرف الله.

ولأن الشعراء شهود الروح على أحوال العاشقين، فقد رأوا الزواج اكتمالًا للنقصان وطمأنينةً للفؤاد. قال نزار قباني إن المرأة «وطنٌ يولد فيه الرجل من جديد»، ورأى إيليا أبو ماضي أن «الحب هو الشمس التي لا تغيب عن بيتٍ سعيد»، وقال أحمد شوقي: «وما الحبّ إلا طاعة وتجاوزٌ… وإنّي لأرضى في المحبة بالذلّ». وأجمع الشعراء على أن الزواج ليس رباط جسدين، بل عهد قلبين يبحث كلٌّ منهما عن نصفه الآخر، فإذا وجداه صار العمر قصيدة لا تنطفئ موسيقاها.

الرجل الحكيم هو الذي لا يرفع صوته إلا ليهدأ الموج، ولا يقسو إلا ليعدل، ولا يظلم، ولا يجرح، ولا يكسر.

والمرأة الذكية هي التي تفهم أن الرجل — مهما بدا قويًّا — يحمل في داخله طفلًا يحتاج حنانها، وكلمةً تعيد ترتيب أيامه، ونظرةً تطمئن قلبه.

وحين ينضج الحب بينهما، يتحول الزواج إلى موسيقى خفية لا يسمعها إلا القلبان اللذان تعلّما كيف يعبران العمر معًا. فالحب مشروع عمر، والمودة نهرٌ رقراق، والرحمة تاجٌ لا يسقط، والسكينة وطنٌ لا يغادر القلب مهما هبّت العواصف.

ويبقى الزواج رحلة ما دام القبطان عادلًا، والسفينة صادقة، والريح رحيمة.

ويبقى البيت جنةً صغيرة ما دام فيه قلب امرأة مطمئنة، ورجل يحمل في صدره صدق الرجال.

ويبقى البحر شاهدًا على رحلتهما ما دام بينهما من نور الله نصيب.

يا أيها الرجل… قدْ سفينتك بالحكمة، واحمل قلب زوجتك كما تحمل السفن أثمن كنوز الموانئ.

ويا أيتها المرأة… كوني له شراعًا إذا تعب، وسكينةً إذا اضطرب، ونورًا إذا أظلم الطريق.

ويبقى الميثاق… ويبقى العهد… ويبقى الحب… وتبقى السكينة وطنًا يعودان إليه كلما ثقلت الدنيا، واشتدّ الموج، وارتجّ القلب.

ما دام بينهما مودة ورحمة… فلن تضل سفينة، ولن يتيه قبطان.