د. قياتي عاشور يكتب: الشهادة وحدها لا تكفي
مشهد يتكرر كل يوم: شابان يتقدمان لنفس الوظيفة. كلاهما يحمل نفس الشهادة الجامعية، وكلاهما بتقدير "ممتاز". الأول، يحصل على الوظيفة فوراً. الثاني، يظل لسنوات يبحث عن فرصة. ما الفرق؟ الإجابة التي تقفز إلى أذهاننا جميعاً: "الأول معاه واسطة".
هذه الإجابة، رغم بساطتها، ولكن في جوهرها تحليل سوسيولوجي عميق. فكرة "الواسطة" ليست مجرد فساد إداري، بل هي جزء من نظام أكبر وصفه علماء الاجتماع، مثل بيير بورديو، بأنه "رأس المال الاجتماعي".
ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا في سباق الحياة لا ننافس فقط بـ "رأس المال الاقتصادي" (أي أموالنا)، ولا بـ "رأس المال التعليمي" (شهاداتنا)، بل ننافس بنوعين آخرين من رأس المال، وهما غالباً الأهم.
النوع الأول هو "رأس المال الاجتماعي"، أو ما نسميه صراحة في مصر: "الواسطة". الفكرة هنا ليست "ماذا تعرف؟" بل "مَن تعرف؟". إنها شبكة العلاقات والمعارف؛ مكالمة هاتفية واحدة من "الشخص المناسب" قد تنهي مقابلة عمل قبل أن تبدأ. أن تكون عضواً في نادٍ معين (مثل نادي الجزيرة أو هليوبوليس)، أو أنك تنتمي لعائلة معينة، يمنحك رصيداً اجتماعياً يفتح لك أبواباً تظل موصدة أمام الآخرين، حتى لو كانوا أكثر كفاءة.
أما النوع الثاني، وهو الأخطر لأنه "غير مرئي" ولكنه حاسم، فهو "رأس المال الثقافي". إنه "اللغة" التي تتحدث بها، و"اللهجة" (Accent) التي تستخدمها. في كثير من المقابلات، لا يتم تقييمك بناءً على إجاباتك، بل بناءً على قدرتك على مزج العربية بالإنجليزية أو الفرنسية بسلاسة. "رأس المال الثقافي" هو أيضاً "الذوق العام"؛ أن تعرف ماذا ترتدي، وأين تأكل، وكيف تتصرف في الأوساط الراقية. أن تكون خريج جامعة معينة (ليس لجودتها التعليمية بالضرورة، بل لاسمها والشبكة التي توفرها). أن تكون "ابن ناس" هو مصطلح عامي يختصر هذا المفهوم؛ أي أنك تجيد "لغة" الطبقة العليا وقواعدها غير المكتوبة.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: النظام التعليمي الرسمي يعدنا بأن "الشهادة" هي مفتاح النجاح. لكن في الواقع، يكتشف الشاب أن الشهادة هي مجرد "تذكرة دخول" للسباق، أما الفوز فيحسمه "رأس المال الاجتماعي" (واسطة عائلتك) و"رأس المال الثقافي" (لهجتك وذوقك).
هذا النظام يخلق "حلقات مفرغة"؛ فالأثرياء وأصحاب النفوذ لا يورثون أبناءهم المال فقط، بل يورثونهم "الشبكات" و"اللغة" و"الذوق"، مما يضمن استمرارهم في قمة الهرم الاجتماعي، ويجعل الحراك الاجتماعي لمن هم في الأسفل شبه مستحيل.
إن الاعتراف بوجود هذه "الأموال الخفية" هو الخطوة الأولى لفهم مجتمعنا. فالقضية ليست فقط في محاربة "الواسطة" كفعل فساد، بل في تفكيك ثقافة كاملة تجعل "من أين أنت؟" أهم من "من أنت؟".
