سامي محمود يكتب: الصحف الإقليمية بين الواقع والمراد
على أرصفة المدن الصغيرة، وفي الأزقة الضيقة التي لم تزرها عدسات الإعلام الكبير، وُلِدت الصحف الإقليمية الورقية كما يولد الضوء من رحم العتمة. لا تحتاج هذه الصحف إلى إعلانٍ صاخب، ولا إلى منصاتٍ متوهجة، بل يكفي أن تُفتح صفحاتها لتتسلّل إلى القلب رائحة الحبر، وتنبض الورقة كقلبٍ حيّ يسمع قبل أن يُرى. كانت هذه الصحف منارات خفية، تهدي العقل قبل القلب، وتزرع في النفوس انتماءً لا يتبدّل، وحبًا للوطن لا يزول. وفي زمنٍ تتداخل فيه الأحلام والآهات على ملامح الوطن، يظل الضوء الذي تبثه هذه الصحف كافياً كي لا يبتلع النسيان أحلام الأقاليم وصوت الإنسان البسيط. فالصحيفة الإقليمية ليست مجرد حبر على ورق، ولا هي خبر يمرّ كغيمة في سماء مزدحمة؛ إنها هوية، وذاكرة، وعصب ثقافي يحفظ نبض الشارع، ويرصد ما يغفل عنه المركز، ويمنح الإنسان في القرية والمدينة الصغيرة حقّه الطبيعي في أن يُرى ويُسمَع ويُدوّن.
لم تكن مجرد أوراق تُقلب صباحًا وتُهمَل مساءً، بل كانت جامعات خاصة مجانية، تُعلّم الشباب معنى الوطن، وتفتح أمامهم أبواب الوعي، وتبني فيهم قواعد الانتماء والأمانة. في تلك الصفحات البسيطة نبتت أزهار الصدق في القول والعمل، وغرست جذور الأمانة في النفوس، وبُثّت دعائم الانتماء الحقيقي. علمت الصحف الإقليمية أبناءها أن اللغة وطن صغير، لا يجوز أن يُدنّس بزلة لفظ أو خطأ نحو أو شذوذ صرف، وأن الالتزام بالقواعد ليس رفاهية بل احترامٌ لذات الكاتب قبل أن يكون احترامًا للقارئ. وهكذا، صاغ الشباب بطونًا من الحرص على الأمانة الفكرية، واحترام حقوق النشر، وفنون التعامل مع الآخر، وآداب الحوار، ورقيّ التواصل، وأخلاق الكلمة. تعلموا أن الصحفي الحقيقي ليس من يلاحق الفضائح، بل من يلتقط الضوء في العتمة، ويضع الحقيقة في يد القارئ دون ضجيج أو تشويه. لم تكن الصحف ساحة للافتتان بالفضائح، بل ميدانًا للمعرفة، وللفعل الهادف الذي يوجه المجتمع ويهذبه لا الذي يهدمه.
في دفاتر هذه الصحف، نشأت مواهب الأدباء والمفكرين والشعراء والفنانين والمخترعين. فكم من شاعر كتب أول بيت له في زاوية صغيرة من صحيفة محلية؟ وكم من كاتب تعلم فن المقال في حضن صحيفة متواضعة؟ وكم من مفكر شق طريقه من نافذة صغيرة تُطل على القرية أو المدينة؟ حتى صار كثير من الكبار مدينين لهذه الصحف، يحملون في أعناقهم فضلها، وفي ذاكرتهم دَينها الذي لا يُنسى. كانت هذه الصحف مدرسة تربوية، تهذب الذائقة، وتنمّي الحس الجمالي، وتوجه البوصلة الأخلاقية. فهي الميدان الأول الذي تعلم فيه المواطن معنى الشفافية، وكيف يقاوم الفساد بالكلمة لا بالفضيحة، وبالمنهج لا بالشائعة، وبالمشرط الدقيق الذي يداوي ولا يجرح، ويهدم الباطل ليبني الحق.
وعلى مستوى الفرد، كانت الصحف تزرع في قلبه روح الانتماء والمسؤولية، وتدرّبه على التحليل السليم، وتفتح أمامه أبواب المعرفة، وتجعله أكثر وعيًا بجذوره وهويته. القارئ الذي يلتفت إلى هذه الصحف يتعلم الصبر، ويكتسب عادة التركيز، ويقرأ الأحداث بتأمل، ويستعيد القدرة على التفكير العميق، ويصقل الذائقة الثقافية والفكرية لديه. وعلى مستوى الأسرة، كانت نافذة للحوار الرصين، وقدوة للأبناء، ومصدرًا للتوجيه التربوي غير المباشر، وأداة لبناء جيل يقرأ ويفكر ويتأمل. فالأسرة التي تجتمع حول صحيفة ورقية، تتحول إلى وحدة متكاملة، يتشارك أفرادها المعرفة والهموم، فتنهض روح التواصل، وتختفي العزلة الرقمية التي اجتاحت كثيرًا من البيوت، ويصبح الحوار اليومي فيها مدرسة للصبر والتفاهم والفهم المتبادل. وعلى مستوى المجتمع، كانت الصحف الجدار الأول في مواجهة الجهل، والحارس الأمين ضد الفساد، والمنبر الذي يُسلّط الضوء على الإيجابيات ويعالج السلبيات بحكمة الطبيب الذي يبحث عن الشفاء لا عن إثارة الألم.
لأنها كانت صوت المجتمع النابض، فقد امتلكت قدرة عجيبة على خلق توازن بين الرقابة الشعبية والاحترام، وبين النقد البنّاء والإيمان بالوطن. كانت تذكّر المسؤول بما نسي، والمواطن بما يجب أن يعرفه، وتبني جسرًا من الثقة بين الطرفين، جسرًا لا يمكن لأي وسيلة إعلامية أخرى أن تبنيه بهذه القوة. لم تكن هذه الصحف موجّهة لصفوة من الناس، بل كانت مرايا للطبقات كلها؛ يجد فيها العامل صوته، والفلاح حقيقته، والمعلم قضيته، والشاب حلمه، والمثقف رؤيته، وصاحب القرار مؤشر البوصلة. ولهذا كانت أثرها بالغًا في المجتمع: فهي تحدّ من الجريمة، وتخفف التوترات، وتحارب الفساد، وتكشف الانحرافات، وتثقّف المواطن بحقوقه وواجباته، فتشكّل بذلك أمنًا وقائيًا يحمي الدولة من أعباء كثيرة.
ولأن هذه الصحف خرّجت أجيالًا من المبدعين، فقد منحت الوطن نماذج لا تنسى من الكتاب والمفكرين والشعراء الذين ارتقوا بالوعي الجمعي وصنعوا نهضة فكرية حقيقية. فلا يكاد يوجد مبدع كبير إلا وللصحافة المحلية فضل عليه، فهي اليد التي دفعته، والقلب الذي احتضنه، والعين التي رأت موهبته حين لم يرها أحد. فالصحيفة الإقليمية تُشبه البذرة التي تُزرع في صحراء المعرفة، فتُنبت جيلًا من الأمل والوعي.
لمن يظن أن الصحف الورقية ماتت، يكفي أن نذكر أن الدول التي صنعت الإعلام الحديث لم تتخل عن صحفها الورقية، بل ما زالت تصدرها يوميًا وإقليميًا ومحليًا، وتمنحها مكانتها في الوعي العام. ففي أمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، على سبيل المثال لا الحصر، تصدر مئات الصحف والمجلات الإقليمية المطبوعة بانتظام، حاملة نبض المجتمعات وهموم الناس وآمالهم، لتبقى الصحافة الورقية قلب المدن النابض، والذاكرة التي تحفظ أحداث اليوم وغد الغد، والمنبر الذي يحيي الوعي ويزرع الانتماء. بل إن كثيرًا من هذه الدول تعطي الصحافة الإقليمية دورًا أساسيًا في حماية المجتمع من الانقسام، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتقوية الصلة بين المواطن والمعلومة. وهذا دليل قاطع على أن الورق لم يمت ولن يموت، ما دامت الحقيقة تحتاج إلى من يحملها بأمانة ورقي ومسؤولية.
ومن هنا، يصبح لزامًا علينا — حفاظًا على مستقبل الوطن — أن نتبنى رؤية عملية لإعادة الروح إلى صحفنا الإقليمية. تبدأ بإحصاء شامل لكل الصحف القائمة والمتوقفة، وتوثيق تاريخها ومنهجها، ثم منح التراخيص بمنطق وطني منضبط يعيد الحياة لما يستحق الحياة. ومن ثم دعم هذه الصحف ماليًا وفنيًا، وإعفاؤها من الأعباء التي تعيق نموها، وتوفير دورات تدريبية للصحفيين العاملين فيها، ومنحهم حقوقًا مهنية تليق بجهودهم. كما ينبغي توفير منظومة عادلة للإعلانات تُدار بحيادية، وتُوزع وفق قواعد واضحة تُنصف الصحف المنتجة، وترعى جهودها. ويمكن للدولة أن تضيف طابع دمغة فئة العشرة جنيهات على كل الخدمات الحكومية دعمًا رمزيًا يخصص مورده لهذه الصحف، ليشكّل صندوقًا دائمًا يعينها على أداء رسالتها. كما يجب أن تدخل الصحف الإقليمية ضمن المناهج التعليمية، ليعتاد الطلاب على القراءة الورقية، وليعرفوا قيمة المعرفة القائمة على التأمل والتدقيق لا على السرعة والسطحية، كما من الممكن خصم جزء من الإعلانات التلفزيونية لصالح صندوق دعم الصحف والمجلات الورقية الإقليمية.
وبهذه الخطوات، تصبح الصحافة المحلية جزءًا من عقل وقلب الدولة الثقافي والفكري، وتتحول من مجرد وسيلة إعلامية إلى مؤسسة قيمية تصنع الوعي وتبني الإنسان. فهي التي تُعلّم المواطن كيف يفكر، وكيف يحلم، وكيف ينتمي، وكيف يصنع من الكلمة سراجًا ينير به حياته وحياة الآخرين. فالصحيفة الإقليمية ليست ورقًا فقط، بل نبض المكان، وروح الإنسان، وذاكرة البلاد، وجسر الحاضر بالماضي، ومنارة المستقبل التي تُنير الطريق لكل من يريد معرفة حقيقة وطنه.
وفي النهاية، أقول بقلب يفيض حبًا لهذا الوطن: إن دعم الصحف الإقليمية الورقية ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية لحماية الهوية، وبناء الوعي، وتثبيت جذور الانتماء. ولن تبنى الأوطان إلا بالمعرفة، ولن تزدهر المجتمعات إلا بحرية الكلمة، ولن ينهض الإنسان إلا إذا وجد في محيطه صحيفة تشبهه، تعبر عنه، وتحمله إلى آفاق جديدة من الفهم والإبداع. فلنمنح هذه الصحف فرصة ثانية، فهي القلب الذي ما زال ينبض، والذاكرة التي لا تموت، والمنبر الذي يحفظ للناس أصواتهم، وللوطن كرامته، وللثقافة ضياءها، وشجرة ضوءٍ لا تنطفئ، وشاهد أنيق على أن مصر — بكل أقاليمها — لا تزال قادرة على أن تكتب، وأن تحلم، وأن تنهض من جديد.
