
بني سويف تستأنف اختبارات القبول بمراكز تحفيظ القرآن

استأنفت مديرية الأوقاف بمحافظة بني سويف أعمال اختبارات المتقدمين للالتحاق بمراكز تحفيظ القرآن الكريم التابعة لها، وذلك بعد توقف قصير تخلله استعداد وتجهيز اللجان والكوادر المشرفة، في خطوة تعكس الاهتمام المتنامي من جانب وزارة الأوقاف برعاية حفظة كتاب الله وتخريج أجيال تحمل رسالة الوسطية والاعتدال.
وشهدت قاعات الاختبار بمدينة بني سويف أجواءً يغلب عليها الانضباط والدقة، حيث توافد العشرات من المتقدمين من مختلف المراكز والقرى، وسط متابعة مباشرة من لجنة متخصصة برئاسة الدكتور عاصم قبيصي، وكيل وزارة الأوقاف بالمحافظة، وعدد من الأئمة والقراء المعتمدين.
وأكد الدكتور قبيصي، في تصريحات على هامش بدء الاختبارات، أن هذه الخطوة تأتي تنفيذًا لتوجيهات وزارة الأوقاف التي تسعى إلى تعميم مراكز التحفيظ المعتمدة على مستوى الجمهورية، بحيث تكون تحت إشراف الوزارة بشكل مباشر لضمان جودة الأداء وصحة المقررات التعليمية، لافتًا إلى أن الوزارة تضع قضية العناية بالقرآن الكريم على رأس أولوياتها، باعتبارها أساسًا لبناء الشخصية الدينية الواعية.
وأضاف أن لجنة الاختبارات تعمل وفق معايير واضحة تشمل سلامة الحفظ، وحسن الأداء الصوتي، وإتقان أحكام التلاوة والتجويد، فضلًا عن متابعة الجوانب السلوكية للممتحنين، وذلك بهدف اختيار العناصر الأكثر التزامًا وقدرة على الاستمرار، مشددًا على أن المديرية لا تكتفي بمجرد اختبار الحفظ، بل تنظر أيضًا إلى ملكات الطالب وقدرته على تمثيل مراكز التحفيظ كقدوة بين أقرانه.
وأشار وكيل الوزارة إلى أن مراكز التحفيظ لم تعد مجرد أماكن لتعليم القرآن فحسب، بل أصبحت بيئة متكاملة تساهم في تشكيل وعي الشباب والأطفال، حيث يتم التركيز على ترسيخ القيم الأخلاقية، وتوضيح معاني القرآن الكريم في ضوء الفكر الوسطي الذي تنتهجه وزارة الأوقاف.
وفي جولة داخل قاعات الاختبار، لاحظ الحضور حالة من الجدية والالتزام لدى المتقدمين، بعضهم من صغار السن الذين أبدوا قدرة لافتة على حفظ أجزاء كبيرة من القرآن، وآخرون من الشباب الذين يسعون إلى إتمام الحفظ كاملاً ليكونوا مؤهلين للإمامة أو التدريس في المستقبل. كما شهدت الاختبارات مشاركة عدد من الإناث، ما يعكس حرص الأسر في بني سويف على دعم بناتهم للانخراط في حفظ كتاب الله، في إطار توازن يحترم العادات والتقاليد.
وأفاد أعضاء لجنة التحكيم أن المستوى العام للمتقدمين جاء مشجعًا، مع وجود نماذج أظهرت استعدادًا واعدًا لمواصلة التقدم في مسيرة الحفظ والتلاوة. وأكدوا أن عملية التقييم ستتم بشفافية تامة، حيث يُمنح كل متقدم فرصته كاملة دون تمييز، ليكون معيار الاختيار الوحيد هو الكفاءة.
وعلى صعيد آخر، أوضح مسؤولو المديرية أن الفترة المقبلة ستشهد تنظيم دورات تدريبية للمقبولين داخل المراكز، تتضمن مراجعة دورية للحفظ، وتدريبًا على مهارات التلاوة، فضلًا عن محاضرات توعوية تتعلق بمفاهيم الوسطية والاعتدال، وكيفية مواجهة الأفكار المتشددة. وأشاروا إلى أن الهدف النهائي يتمثل في تخريج أجيال لا تحفظ القرآن فحسب، بل تفهم مقاصده وتطبقه في سلوكها اليومي.
من جهتهم، عبّر عدد من أولياء الأمور عن سعادتهم بعودة الاختبارات، مؤكدين أن إشراف وزارة الأوقاف على مراكز التحفيظ يمنحهم الثقة في أن أبناءهم يتلقون تعليمًا صحيحًا ومنضبطًا، بعيدًا عن أي اجتهادات فردية قد تؤدي إلى خلل في الفهم أو التطبيق. وقال أحد أولياء الأمور: "نحن مطمئنون لأن أبناءنا يتعلمون القرآن في بيئة آمنة ومعتمدة من الدولة، وهذا ما كنا نبحث عنه منذ سنوات".
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الأوقاف كانت قد أطلقت خطة شاملة في السنوات الأخيرة لتطوير مراكز التحفيظ، تضمنت اعتماد المراكز وإعادة هيكلتها، وربطها ببرامج تدريبية وتأهيلية للأئمة والمشرفين عليها. كما جرى التنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في دعم هذه المراكز ماديًا ومعنويًا، وهو ما انعكس في ارتفاع أعداد المتقدمين للاختبارات في مختلف المحافظات.
ويؤكد هذا النشاط في بني سويف على مكانة المحافظة في مجال خدمة القرآن الكريم، حيث اعتادت أن تخرج نماذج مشرفة على مستوى الجمهورية، سواء في المسابقات المحلية أو الدولية. وتعمل المديرية حاليًا على إعداد قاعدة بيانات شاملة تضم أسماء المتقدمين والمقبولين، تمهيدًا لمتابعة مسيرتهم داخل المراكز وتقديم الدعم اللازم لهم.
وفي ختام حديثه، شدد وكيل وزارة الأوقاف على أن المديرية ستواصل جهودها بلا انقطاع لخدمة كتاب الله، وأنها ستعمل على توفير كل سبل الدعم للمراكز والطلاب، مؤكدًا أن مصر ستظل رائدة في خدمة القرآن الكريم ورعاية أهله، باعتبار ذلك جزءًا من رسالتها الدينية والحضارية.
وبهذا، تواصل وزارة الأوقاف، عبر مديرياتها المختلفة، مسيرة العناية بحفظة القرآن الكريم، لتظل مراكز التحفيظ منارة علمية وروحية، تسهم في تكوين أجيال تجمع بين الحفظ المتقن والفهم العميق، وتحمل رسالة الوسطية والاعتدال إلى المجتمع بأسره.