محمد سعيد يكتب: «ومن أحياها» دعوة للصلح

الحمد لله القائل في محكم التنزيل: « وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبرت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: "ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد النَّاس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها".
إن الدين الإسلامي دين يدعو إلى السلم قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ» سورة البقرة . وجاء في تفسير الوسيط لفضيلةالشيخ سيد طنطاوي رحمه الله؛ أن السِّلْمِ- بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام- بمعنى واحد، ويطلقان على الإسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل «السلّم» بكسر السين- للإسلام، و «السلّم» - بفتحها- للمسالمة. ويدعو الدين الإسلامي إلى العفو والصفح والتسامح، قال تعالى «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ». سورة الأعراف.
روي أنه لما أنزل الله على نبيه ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، قال رسول الله ﷺ: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك. وقال تعالى: « وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ». سورة فصلت. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: (أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ، وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
ودين ينبذ ويرفض العداوات والخلافات، فيحارب الحقد والحسد والبغضاء والشحناء، ويدعو إلى الألفة والمحبة والأخوة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ) رواه الإمام مسلم.
فقد نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن الحسد ، لأنه أول معصية وقعت على الأرض وبسببها وقعت أول جريمة قتل عرفتها البشرية والمقال ليس مقام سرد لأحداث القصة وإن كنتم تعرفونها.
المهم إن الإسلام دين نادى بالسلم والعفو والصفح والتسامح واللين والرفق والمحبة والأخوة بين بني البشر دون أن يفرق بين كبيرهم أو صغيرهم أو ذكرهم أو أنثاهم ولا أبيضهم ولا أسودهم ولا مؤمنهم ولا كافرهم، لقوله تعالي: « ولقد كرمنا بني ءادم». ولقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ءاذوه يوم فتح مكة، بقولته الشهيرة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) رغم ما تعرض له من ظلم واضطهاد وتضييق وإيذاء سواء كان باليد أو باللسان ومع ذلك عفا عنهم صلى الله عليه وسلم.
وعلى الرغم من كل ذلك وجدنا وللأسف الشديد البعض قد أعرض عن هذه النصوص الشرعية وهذه الأخلاقيات الحميدة والنداءات القويمة، واستجاب لنداءات أخرى علا فيها صوت العصبية القبلية، علا فيها صوت الجهل والانتقام، علا فيها صوت الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهية، استجاب صاحب هذا الصوت لعقله الضال ونفسه الأمارة بالسوء وشيطانه الرجيم، الذي استحوذ عليه فأخذ يثأر لنفسه ويسفك الدماء بحق أوبغير حق.
ونسي البعض أن هناك جهات في الدولة معنية بالقضاء في مثل هذه الأمور وغيرها، حتى وإن كان له الحق فليس له أن يحكم من نفسه أو يقضي بنفسه لأن هناك جهات قضائية منوطة ومكلفة بهذه الحقوق وخاصة القضاء في الدماء، هناك جهات معنية بالتحقيقات والوقوف على ملابسات الواقعة حتى تعطي كل ذي حق حقه، وتأخذ من الجاني الحق للمجني عليه بعدالة وبحق، وإنه لو ترك الأمر لبني البشر لعاش الإنسان حياة أشبه بالحياة في الغابات البقاء فيها يكون للأقوى والأسرع والأشرس.
أيها القارئ الكريم إن ظاهرة الثأر من الظواهر الاجتماعية السيئة والمؤسفة التي انتشرت وتفشت في زمننا الحاضر بصورة مخيفة تدعو الجميع إلى التصدي وبقوة وحزم لها وذلك لأنها من أخطر الظواهر الاجتماعية إن لم تكن أخطرها، تلك الظاهرة التي عانت منها المجتمعات البشرية منذ القدم على وجه الأرض، وتعتبر من أخطر ما يهدد أمن وأمان وسلم وسلام الفرد والأسر والعائلات والمجتمعات، كما تعتبر العائق الأول للتنمية والاستقرار الذي يسعى الإنسان إلى تحقيقهما.
وتعد ظاهرة الثأر من أسوأ العادات الاجتماعية الموروثة التي باتت تهدد أمن الإنسان وتقف حجر عثرة في طريق عملية التنمية وتؤدي إلى سفك الدماء مما يؤدي إلى قيام العديد من الخلافات العائلية والنزاعات المجتمعية، مما يدعو كافة مؤسسات الدولة إلى التكاتف والتعاون وبالطبع في مقدمتها الأزهر الشريف بدوره الدعوي والتوعوي الذي يقوم به مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف عن طريق وعاظه وواعظاته من خلال الحملة التوعوية، التي أطلقها مجمع البحوث الإسلامية "ومن أحياها".
وتهدف "ومن أحياها"، إلي مواجهة الخصومات الثأرية وتفعيلا لهذه الحملة ينطلق وعاظ وواعظات الأزهر الشريف ولمدة شهر ومن خلال التنسيق مع الجهات المعنية للتوعية بهذه الظاهرة الخطيرة والمؤسفة والتي نسأل الله أن يوفقنا في القضاء عليها والتخلص منها ليعيش وطننا الحبيب في أمن وأمان وسلم وسلام ورخاء واستقرار بجميع فئاته وأطيافه.. حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وأمنا وأزهرا وكنيسة وسائر بلاد العالمين.
الكاتب: محمد سعيد يوسف الواعظ بالأزهر الشريف