هدى ظريف العمدة تكتب: صعود المزيفين

في كل أمة، هناك لحظات تُختبَر فيها المهنة، ويُختبر ضميرها، وقد مرّ الإعلام، ومعه الرأي العام، باختبار قاسٍ في السنوات الأخيرة، حين تقدّم المشهد من لا علاقة له بالمهنة، وتراجعت الأصوات الأصيلة، التي دفعت ثمن الكلمة والموقف والالتزام، واليوم، نشهد زحفًا منظّمًا لوجوه لا تحمل إلا الولاء للمصالح، والتزييف، والتلميع المدفوع الأجر.
هكذا أُعطيت المنصات لمن لا تاريخ لهم، ولا موقف، ولا جذور في المهنة، ولا حتى في الوطنية، فقط لأنهم "صوت مرغوب" في موسم معين، وواجهة مناسبة لعقد الصفقة، ومنحوا الكاميرا، لا لأنهم يستحقون، بل لأن المشهد أراد أن يُدار لا أن يُعَبَّر عنه.
وتم تهميش الإعلاميين الحقيقيين — أولئك الذين يملكون المعرفة والتاريخ والمبدأ — لأنهم ببساطة لا يُساومون، ولا يرضخون، ولا يكتبون حسب الطلب، ودخلت بعض الأحزاب على الخط، لا لتقود المشهد، بل لتزيده تعقيدًا، حيث رشّحوا الأسماء، ولم يسألوا عن الكفاءة، فقد قاموا بتزيين الوجوه، ولم يسألوا عن التاريخ، وبدلا من أن يكون الحزب مدرسة وطنية، صار عند البعض مكتب توظيف سياسي، يجمع الأصوات بأي وسيلة، ولو على حساب الوطن والوعي والمهنية.
وسقطت الكلمة من مقامها، حين أصبحت وسيلة للترضية، لا للحق، وسقط الإعلام، حين تخلّى عن استقلاله، وارتضى أن يكون جزءًا من "العرض"، لا عينًا على الحقيقة، ولكن، وسط هذا الزيف، هناك من لا يزالون واقفين: إعلاميون لم يبيعوا ضميرهم، سياسيون لم يغيروا مبادئهم، أقلام لا تزال تكتب للوطن، لا للمنصب، وأحزاب لا تزال تؤمن أن الطريق إلى المستقبل يبدأ من احترام العقول لا استغلالها.
هذه المعركة ليست ضد أفراد، بل ضد من أرادوا أن يُفرّغوا المهنة من معناها، وأن يجعلوا من الإعلام منصة للتسويق لا للتنوير، نحن هنا لنقولها بوضوح: لا شرعية لمن لا يحمل مشروعًا، ولا صوت لمن لم يدفع ثمن موقف، ولا مكان على المنصة لمن صعد إليها بلا استحقاق.
وستبقى الكلمة الحقيقية، مهما خُنقت، تجد طريقها للناس، ونامل ان الشعب يكون اذكى من كل محاولات التزييف، لأن الوعي لا يُصنع في غرف مغلقة، بل يُصنع من ألم التجربة، ومن نبض الشارع، ومن ذاكرة لا تنسى من كان مع الوطن ومن كان مع الصفقة.