د. أحمد ياسين السيسي يكتب: الأطباء بالكيلو

أتفهم تماما عندما نتحدث عن زيادة تصدير الطماطم أو الموالح وكيف أن تصدير هذه المنتجات تعود بنفع كبير علي الاقتصاد الوطني، لكن أن يكون الحديث عن تصدير الأطباء أقف أمامه مليا غير مستوعب ما المقصود من تصدير الأطباء كعملة بشرية ذات قيمة كبيرة معترف بها في العالم.
وعندما تطرح قضية تصدير الأطباء لا تغيب عن مخيلتي حالة تصدير العمال المهرة نهاية القرن التاسع عشر إلي الاستانة عاصمة الدولة العثمانية حيثما نضجت بذرة ناجحة لحضارة صناعية كبري في أرض الأناضول وذبلت في مصر في حينها فكان قرار نقل المهرة في كل مجال إلي الأناضول ليكونوا بمثابة الطاقة الدافعة للحضارة الوليدة.
لا يليق بنا أن ننظر تحت اقدامنا عند اتخاذ اي قرار أو علاج أي مشكلة
ترتب علي تصدير العمالة المهرة إلي الاستانة تراجع ملموس في مهارة عمال السوق المحلية، ومن ثم فإنه من الضروري أن نتعلم من تجاربنا، فإنه لا يليق بنا أن ننظر تحت اقدامنا عند اتخاذ اي قرار أو علاج أي مشكلة، فإنه من غير المقبول أن يتم الاستغناء عن مهارات احتاجوا إلي سنوات طويلة من التعليم والتدريب حتي يصلوا إلي هذا المستوي من اللياقة، خصوصا أن تحضير البدائل أمر صعب للغاية.
وبالنظر إلي قضية تصدير الأطباء الصريين إلي الخارج يتضح جليا أنه من الأمور التي لا يمكن قبولها لما قد يترتب عليها من آثار سلبية وربما مدمرة للقطاع الصحي بل ولصحة المصريين، فهؤلاء الأطباء هم الأمناء علي صحة هذا البلد الكبير، وهم صمام الأمان لاستقرار المجتمع فكيف تستقيم الأمور بدون مؤسسات صحية قوية وأطباء مؤهلين قادرين علي القيام بالمهام التي توكل إليهم.
وهذا كله يوجب علي كل صاحب قرار أن يدرس ويفكر جيدا كل ما يرتبط بقضية تصدير الأطباء من تداعيات مجتمعية، للموازنة بين ما يترتب علي الاستغناء عن الأطباء الذين هم امن مجتمعي وما يترتب علي تصديرهم للخارج من عملة صعبة يحتاج إليها الاقتصاد.
هناك جيل كامل من الأطباء الذين يمتلكون الخبرة الكبيرة تم إرسالهم إلى الخارج
من الضروري أن ندرس هذه المسألة بمنتهي التأني والعمق حتي نقف علي كل كبيرة وصغيرة فيها، مع العمل أن أنه هناك جيل كامل من الأطباء الذين يمتلكون الخبرة الكبيرة تم إرسالهم إلى الخارج ،مما يهدد أجيال الأطباء الجديدة من نعمة الاستفادة من خبرات الأجيال السابقة عليهم، بل قد يضر ذلك سمعة الطبيب المصري.
ويبقي السوال الأهم ؟ هل زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب وبالتالي عدد الخريجين سوء بكليات الطب الحكومية أو غيرها من الكليات الجديدة في الجامعات الأهلية والخاصة يحل مشكلة تناقص عدد الأطباء؟ وهل حقا يمثل قرار زيادة الأعداد هو الحل كما سبق وأكد د. مصطفي مدبولي رئيس الوزراء الذي اقدره وأثق فيه تماما؟
المهم لو كان قرار زيادة عدد المقبولين لسد العجز وتعويض الاعداد التي تجد في السفر إلي الخارج فرصة أفضل، فهل يتم الحرص علي اتخاذ كل ما يلزم للتأكد من أن خريج كلية الطب سواء الحكومية أو الأهلية أو الخاصة يؤتمن علي القيام بهامه في علاج المرضي أم أن الحكومه تكتفي بأعداد الخريجين دون الاهتمام بالجودة؟
تميز الطبيب المصري ينبع من ندرته أو زيادة الأعداد دون التركيز علي المهارة خطأ فادح
وبكلمات أكثر وضوحا: هل افتتاح الجامعات الأهليه والخاصة كان مقرونا بافتتاح مستشفيات جامعية أهلية لتدريب الطبيب الخريج بما يكف؟ وهل الجامعات الحكومية تم تطوير كفاءة وقدرة المستشفيات الجامعية لمواكبة هذه الأعداد المتزايدة من الطلبة الجامعيين الأجانب والمصريين؟
بالطبع، اعرف جيدا إجابة هذه الأسئلة، لكن وجب علينا جميعا أن نعلم إجابتها، ليتم تقييم الوضع وتحديد المشكلة، ومن ثم العمل معا لإيجاد أفضل الحلول لها، حتي يحافظ الطبيب المصري علي مهارته وتستمر سمعة الطبيب المصري دون أدني تراجع.. ضروري أن يبدأ الحل من الاعتراف بأن الأطباء المصريين ليسوا سلعة، بل الطب حرفة تميز المصريين فيها وحققوا نجاحات يشهد بها القاصي والداني، وعلي الحكومة أن تتعامل مع المهنة من هذا المنطلق حتي تستمر ريادة الطب المصري.
كاتب المقال: د. أحمد ياسين السيسي، أستاذ الحالات الحرجة المساعد بكلية الطب جامعة بني سويف