د. أحمد ياسين يكتب: مؤخرة ترامب

استيقظ العالم من أسبوع علي موعد مع اعلان أمريكي بحرب عالمية تجارية علي كل دول العالم، وذلك بعد عقود من الزمن علي طرح مفهوم العولمة وفتح حدود الدول أمام السلع والبضائع الأمريكيه لقتل حلم كل الدولة في بناء نهضة صناعية تدفع معدلات الانتاج إلي مستويات تحقيق التنمية والرخاء لشعوبها، ولما حدث ما لم تتوقعه أمريكا وبدأت الصين وبلدان أخري تسحب البساط من تحت اقدام أمريكا وجدنا تصرفات تنم عن حالة من التوتر.
بدأت التحركات الأمريكية بشكل ملحوظ في أعقاب نجاح دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتهدف هذه التحركات إلي إخضاع دول العالم للسيطرة الأمريكية، بل وصل الأمر إلي أن يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح أقل ما يوصف أنه إساءة إلي هيبة الرئيس الأمريكي، حيث خرج ترامب ليقول: "سوف يضطر رؤساء العالم لكي نرضي عنهم إلي تقبيل مؤخرتي".
اكتشفت أمريكا، دون مقدمات، أنها فقدت قدرتها علي السيطرة والاستمرار في دور القائد بالنسبة للعالم والأم بالنسبة لكافة الدولة، فهي لم تعد "ماما أمريكا"، ادركت ذلك عندما تبين لها أن كل الاستثمارات الصناعية انتقلت -بالفعل- إلى الصين منذ 30 عاما تقريبا أو يزيد بسبب توافر الأيدي العاملة الرخيصة ومصادر الطاقة الوفيرة الأقل تكلفة.
نعم كانت الخطة الأمريكية هي نقل كبريات المصانع والشركات الغربية إلي الصين لتستفيد من الايدي العاملة الرخيصة ومصادر الطاقة الوفيرة والسوق الكبيرة، ومن جانبها تظاهرت الصين أنها ابتلعت الطعم، لكنها كانت تتأهب وتستعد لبزوغ فجر جديد، تتصدر فيه الصناعة والصناع الصينيين المقدمة دون منافس .
نعم، ظلت الصين تعمل دون أن يلقي لجهودهم بالا، وقامت علي تدريب كوادرها لشرب الصنعة واستيعاب التكنولوجيا، ولما وجدت الصين نفسها قادرة علي المنافسة خرجت إلي العلن وفتحت أسواقها للشركات المتخصصة في نقل التكنولوجيا الغربية إلي شركات محلية، للبدء في الانتاج الأقل تكلفة، الذي يمتلك كل ميزات التنافس في الأسواق العالمية لما يتسم به من تكلفة أقل وجودة ظلت في تحسن مستمر.
بمرور الوقت، تعملقت الشركات الصينية حتى تمكنت من ابتلاع السوق العالمي، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ الاقتصادي تسيطر فيها الصين علي مقاليد الأمور عن طريق امتلاكها تكنولوجيات الانتاج الأكثر حداثة وتطورا، مما يعني انتهاء عصر الزعامة الأمريكية علي الصعيد الاقتصادي وبداية عهد اقتصادي جديد تتولي فيه الصين القيادة.
هكذا، اكتشف دونالد ترامب الكارثة، نعم لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية مصنع العالم ، ولا مزرعته، بل عجز ترسانة الصناعة الامريكية عن توفير ما يحتاجه المواطن الأمريكي، بل بات السوق الأمريكي في حاجة مستمرة إلي الانتاج الأمريكي، وبدلا من الاعلان عن تشكيل فريق من كبار خبراء الاقتصاد لوضع التصور الأفضل للخروج من هذا الوضع المأزوم، بل انشغلت الحكومات الأمريكية بخوض العديد من الحروب بالوكالة عن دول العالم.
وقرر الرئيس الأمريكي ترامب، مؤخرا، انزال عقوبات بكل المنافسين معتمدا في ذلك علي أنه يمتلك مطبعة الدولار، وبدا الضغط لتنفيذ خطة الجمارك، التي تسببت في زيادة الأسعار العالمية للعديد من المنتجات، ما دفع في اتجاه انهيار أسعار الأسهم للشركات المنتجة في العالم والنفط وتبخرت المليارات في يوم من ثروات العالم الذي بدأ يفقد ثقته في أمريكا كقائد العالم اقتصاديا بل وسياسيا.
وفي نفس الوقت، كتب ترامب في تغريدة له علي موقع X يدعو فيه المستثمرين إلي الاستثمار في أحد شركاته، وأنه مع سقوط أسهم الشركات الكبرى المنتجة صعدت أسهم شركته مما دفع العديد من السياسيين هناك للمطالبة بالتحقيق معه شخصيا باعتباره متلاعبا بالأسواق المالية العالمية لاجل تحقيق نتائج شخصية.. والحقيقة أن هذه التطورات تعد ايذانا بسقوط آخر أعمدة النظام الاقتصادي العالمي بكل أقطابه لا تجارة حرة ولا عدل ولا تنافس ولاقيم في الاقتصاد أو السياسة.
ويتحدث الجميع عن قرب موعد الخلاص من هذا الخلل الذي اصاب المنظومة الاقتصادية العالمية، وأن هذه الخلاص يؤصل لظهور منظومة اقتصادية عالمية مغايرة تتبدل فيها الأدوار بحيث تفقد الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها علي الاقتصادي العالمي، وينتقل هذا الثقل الاقتصادي إلي الصين وبعض البلدان الأخري.
ويتأكد للجميع أن الادارة الأمريكية فترة الرئيس الحالي ترامب سوف تخسر الكثير، فالرئيس الأمريكي ربما يكون في سعيه الدؤوب لتعظيم المكاسب الأمريكي والتأكيد علي أنها القطب الأوحد اهان حلفاؤه قبل اعداءه، مما دفع الحلفاء إلي الهرولة بعيدا عنه، خصوصا بعد أن قال إن رؤساء الدول يسعون إلي تقبيل مؤخرتي في سبيل الصفح عنهم، لكنه أخطأ بشدة لأن التاريخ يقول: "عندما تواجه الجميع فستخسر الجميع".
كاتب المقال: د. أحمد ياسين السيسي، أستاذ الحالات الحرجة المساعد بكلية الطب جامعة بني سويف