رمضان ابو إسماعيل يكتب: ما هكذا تُورد الإبل

* تاريخ مصر برلماني لم يشهد مثل هذه المزايدات الحاصلة في الشارع
* تغول الأحزاب علي دور الجمعيات يصيب العمل الأهلي في مقتل
* القرآن الكريم أقدس من أن يستخدم في حشد واستمالة المؤيدين
* عمل الأحزاب في الخير غير مراقب وتخوفات من زيادة تواكل المواطنين
أحزاب في الخير غير مراقب وتخوفات من زيادة تواكل المواطنين
"ما هكذا يا سَعْدُ تُورد الإبل" هذا مَثـَلٌ يقال فيمَنْ كُلِّف بعمل ولم يُحْسن القيام به على التشبيه بسعد الذي لم يحسن إيراد الإبل وقيل فيه:
أَورَدَها سَعْدٌ وَسَعدٌ مُشْتَمِل .. ما هَكَذا يا سَعْدُ تُوْرَدُ الإِبلْ
تذكرت هذا الكلام أثناء متابعتي للتنافس الشرس الحاصل في مختلف دوائر بني سويف الانتخابية، الذي يحاول كل منهم أن يفرد عضلاته، ويقوم بالتعلية علي سابقة، بحيث يوضح للكافة مدي قدرته علي الإنفاق سواء كان هذا الانفاق من جيبه الخاص أو من جيوب آخرين رعاة أو غيرهم.
اعتقد أنه علي مدار التاريخ التاريخ البرلماني لمصر الذي يزيد عن 150 عاما، لم تشهد المنافسات السياسية مثل هذه المزايدات غير المحمودة للحصول علي مقعد برلماني، فالحاصل الآن انفاق غير مسبوق علي أعمال دعائية مغلفة بالطابع الخيري، بحيث تجد مسابقات حفظ القرآن الكريم التي يتسابق القائمون عليها للحصول من خلالها علي حشد أكبر أعداد من الحافظين ظنا من بعض القائمين علي هذه المسابقات أنه يمكن استمالة أسر هؤلاء الحافظين لكتاب الله لهم في المعارك الانتخابية.
ولا يمكن القول إن مسابقات حفظ القرآن أمر جديد علي الساحة المصرية، بل يمكن القول إن هذه المسابقات جزء من التراث الثقافي المصري، كانت تقوم عليه دوما الكتاتيب بالمساجد ثم مؤسسات المجتمع المدني، لكن الجديد أن تنتقل الريادة في هذا النشاط إلي الأحزاب وممثليا من أصحاب المال.
وبالتأكيد، كلنا نتذكر مسابقة المليون التي قام برعايتها رجل الأعمال محمد الشنراوي بالتعاون مع النائب د. عبد الله مبروك، وبعدها وجدنا سيل من المسابقات القرآنية، وتلاحظ أن منذ بداية الشهر غلبة الشكل التصاعدي علي جوائز المسابقات.
هيطلع حد يقولي: طيب أيه المشكلة في إن مسابقات حفظ القرآن تتطور ويقوم علي رعايتها رجال المال؟ أقول له: هذا أمر يمثل خطورة كبيرة علي السياسة، لأنه استغلال سيئ للقرآن الكريم، وأنه لا يليق ابدا لأي من الاحزاب أو المرشحين أن يتعاملوا مع القرآن الكريم بهذا المنطق الانتهازي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تشهد الساحة تغول واضح من قبل الأحزاب السياسية علي الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بحيث يتنافس النواب والمتطلعون في ضخ ملايين الجنيهات في هيئة سلع غذائية "كراتين"، وكأن هؤلاء الراغبين في الوصول إلي سد البرلمان لم يجدوا بديلا عن هذه الكراتين وغيرها من أشكال العطاء الاجتماعي "لحوم - وجبات - كراسي متحركة – مشروعات متناهية الصغر – أجهزة عرايس .. وغيرها) هي البوابة الملكية للوصول إلي مبتغاهم مستغلين في ذلك معدلات الفقر المرتفعة.
وتناست هذه الأحزاب أن تغولها علي دور الجمعيات والمؤسسات الأهلية يضرب العمل الأهلي في مقتل، بل يساعد علي توسيع مساحة الفقر، لما يرتبط بهذه الأنشطة غير المدروسة وغير المراقبة من الجهات الإدارية، خاصة أن الأحزاب غير مراقبة من قبل وزارة التضامن الاجتماعي، يترتب عليها تغذية قيمة التواكل عند نسبة كبيرة من المواطنين، الذين سيجدون في عطاء رجال السياسة بديلا عن البحث عن عمل.
لذلك أقول لكل من يشارك في اخراج هذا المشهد بل وكل من يصفق أو حتي يصمت علي ما يحدث أنه "ما هكذا تُورد الإبل"، واحذر من أن ترك الأمور دون تدخل فاعل من قبل الدولة يمكن أن يلحق ضرر بالغ بالمجتمع المصري، الذي يعاني حالة من الوهن الشديد التي أصابت مناعته بالضعف جراء التقلبات العنيفة التي عصفت بالمجتمع السنوات الأخيرة.
ويسهم ذلك في ايصال نواب إلي سدة البرلمان أكثرهم لا هم لهم سوي تعويض الملايين التي تم انفاقها في سبيل استمالة السادة الناخبين، ويتحول النائب من ممثل للشعب يعبر عن آلامه ويسهم في رسم أحلامه وطموحاته إلي مجرد تاجر، دخل المعتراك السياسي فقط لتعظيم مكاسبه من هذا العمل، الذي يراه أكثرهم مجرد بيزنس لكسب الأموال أو سلطة لحماية البيزنس.