الجمعة ٢٩ / أغسطس / ٢٠٢٥
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

فدان الميمون يعود للدولة بحكم قضائي

فدان الميمون يعود للدولة بحكم قضائي
محمد النويشي

في قرية الميمون التابعة لمركز الواسطي بمحافظة بني سويف، بدأت القصة بحلمٍ بسيطٍ لكنه عظيم الأثر: إنشاء مدرسة فنية للبنات على أرضٍ تبرع بها أحد أبناء الوطن لصالح القرية. إلا أن هذا الحلم كاد أن يضيع بين أيدي أطراف حاولوا الاستيلاء على الأرض المخصصة لهذا المشروع الحيوي، الذي يسهم في تخفيف العبء المادي عن الأسر، ويوفر بيئة تعليمية آمنة للفتيات، ويقلل من المشاكل التي تترتب علي انتقال الفتيات إلي مدارس خارج القرية.

وأمام محاولة السطو علي هذا الحلم بدأت ومعي المخلصين من أبناء القرية، في تنظيم صفوفنا لخوض معركة ضد كل من يحاول اجهاض هذا الحلم، وبدأنا معركة استرداد هذه الأرض للدولة تمهيدا للبدء في بناء المدرسة الثانوية الفنية عليها.

البداية: تبرع لإنشاء مدرسة فنية للبنات

في عام 2018، تبرع السيد محمد حسام الدين السعدني، المقيم في القاهرة، بقطعة أرض زراعية مساحتها فدان لصالح الوحدة المحلية بقرية الميمون. الهدف من التبرع كان إقامة مدرسة فنية للبنات تخدم القرية والقرى المجاورة، بما يُسهم في توفير التعليم للفتيات وتقليل تكاليف الانتقال إلى مدارس بعيدة.

عُقد التبرع تم توثيقه بمحضر رسمي في حضور شخصيات بارزة من القرية، مع تعهد الوحدة المحلية بحماية الأرض وإتمام الإجراءات القانونية اللازمة لإنشاء المدرسة. لكن هذا المشروع الطموح اصطدم بمحاولات من بعض الأطراف للاستيلاء على الأرض وتحويل ملكيتها بطرق غير قانونية، مما أثار غضب الأهالي.

ومنذ اللحظة الأولى، واجه المشروع تحديات كبيرة. حاول بعض ضعاف النفوس وضع أيديهم على الأرض المخصصة للمدرسة، مستغلين الثغرات الإدارية والتواطؤ مع بعض المسؤولين. كما غاب المتبرع عن المشهد بعد التبرع، مما فتح الباب لمحاولات تشكيك في صحة التبرع.

رغم أن عقد التبرع كان موثقًا بحكم قضائي صادر في الدعوى رقم 2097 لسنة 2018، إلا أن ذلك لم يردع المعتدين الذين سعوا لنقل ملكية الأرض بطرق غير مشروعة.

حق وراءه مطالب

في خضم هذه الأحداث، قررت أنا العبد الفقير محمد النويشي، الباحث في الشئون السياسية وأحد أبناء قرية الميمون، التصدي لهذه المحاولات بكل شجاعة. خاصة أن هذه القضية ليست مجرد نزاع على قطعة أرض، بل هي معركة للحفاظ على حقوق القرية ومستقبل أبنائها، ولم تكن معركة سهلة، بل تعرضت لتهديدات وصلت إلي التهديد بالقتل، ومحاولات لتشويه السمعة، لكن ذلك لم يكن مانعا لي، بل واصلت تماسكي وتمسكي بحقي وحق أهل قريتي، متخذًا من القضاء ملاذًا لإثبات الحق وإعادة الأرض للدولة.

وتعرضت في هذه المعركة لمحاولة خطف من قبل الشخص المستولي علي هذه الأرض، حتي يتم اثنائي عن المضي قدماً في هذا الأمر، لكن هذه المحاولات لم تحرك عندي ساكنا، بل زادت من عزيمتي، وتمسكت بالقانون، وتم -بالفعل- ضبط 6 من المتهمين المجهولين من القائمين بتنفيذ جريمة الخطف، الذين انتحلول صفة موظفين بأحد الجهات السيادية، وتم إحالتهم إلي محكمة جنايات بني سويف، وتم الحكم عليهم بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات في القضية رقم 4775 لسنه 2023 جنايات كلي بني سويف، وايدت محكمة النقض الحكم.

ومازال هناك قضية محررة مني ضد المحرض الرئيسي علي واقعة الخطف مازالت قيد التحقيق حتي الآن.

حكم تاريخي من مجلس الدولة

بعد سنوات من الكفاح القانوني، صدر حكم تاريخي من محكمة مجلس الدولة ببني سويف. قضت المحكمة بندب مكتب خبراء وزارة العدل، وتكليف خبيرين متخصصين وعضو من هيئة المساحة ببني سويف لمعاينة الأرض وإعداد تقرير شامل.

هذا الحكم يُعد خطوة تمهيدية هامة لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة لتخصيص الأرض وبناء المدرسة. كما يُمثل انتصارًا كبيرًا للحق والقانون، ورسالة واضحة بأن التعدي على المال العام لن يمر دون عقاب.

ولا يمكن الحديث عن هذا الحكم دون الإشادة بالقضاء المصري الشامخ. لقد أثبت القضاء أنه الحصن المنيع لكل من يلجأ إليه، وأنه قادر على التصدي لكل محاولات الفساد والتعدي على المال العام، فهذا الحكم يُعيد الثقة في قدرة المؤسسات القانونية على حماية الحقوق، ويؤكد أن مصر لن تنهض إلا بالعدالة وسيادة القانون.

رسالة إلى أهالي الميمون

هذه القضية تمس كل فرد وكل أسرة في قرية الميمون، وأنه علي ابناء الميمون أن يجتمعوا علي قلب رجل واحد حتي يتحقق النصر في هذه المعركة، علما أن الجهود الجماعية هي السبيل الوحيد لحماية المال العام وتحقيق التنمية. فالرحلة لم تنته بعد، وأن المرحلة المقبلة تتطلب متابعة حثيثة لاستكمال إجراءات تخصيص الأرض والحصول على الموافقات اللازمة للبدء في بناء المدرسة.

فإنه علي الرغم من الانتصار القانوني الذي تحقق، إلا أن الطريق نحو إنشاء المدرسة لا يزال مليئًا بالتحديات. فهناك إجراءات إدارية تحتاج إلى متابعة، ودعم مجتمعي لضمان استمرار الضغط على الجهات المعنية لتسريع الخطوات المتبقية.

لكن الأمل يظل حاضرًا، مدفوعًا بإرادة أهل القرية ودعمهم لقضيتهم العادلة.

هكذا، تعد قضية "فدان التبرع للمدرسة الفنية الثانوية" في الميمون نموذج حي على أهمية العمل الجماعي والدفاع عن الحق. وهي دليل علي أن النضال من أجل العدالة يحتاج إلى صبر وعزيمة، وأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب.

وها نحن نحتفل  بهذا الانتصار مع رفاق السعي من ابناء الميمون، لكن العمل لم ينتهِ بعد، فالمسئولية الآن تقع على عاتق الجميع لضمان استكمال المشروع وتحقيق الحلم الذي طال انتظاره.