الجمعة ٢٩ / أغسطس / ٢٠٢٥
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هوامير السياسة.. مبادرة أم شو؟

هوامير السياسة.. مبادرة أم شو؟
محمود عبدالوهاب

عندما نسمع عن مبادرة بحجم سداد ديون المزارعين نتوقع أن يترتب علي تنفيذ هذه المبادرة ثورة اجتماعية حقيقية، يترتب عليها طفرة في مستوي معيشة مزارعي مصر شمالها وجنوبها، الذين يعانون ارتفاع تكلفة الانتاج ما يسهم في زيادة معدلات الفقر والعوز بين نسبة كبيرة من المزارعين.

وحسن فعل أحد الأحزاب السياسية عندما تصدي لملف الديون المتعثرة للمزارعين طرف البنك الزراعي المصري، خصوصا أن الفترة الأخيرة شهدت وقائع عدة عجز فيها مزارعين عن سداد ما تراكم عليهم من ديون، علي الرغم من الجهد الذي يبذلوه لملاحقة تسارع خطي الأسعار بشكل يفوق كل نمو في الانتاج والدخل، ومن ثم فإن تسوية هذه الديون امر مطلوب، لذلك سعد الملايين عندما أعلن الحزب عن هذه المبادرة.

لكن الشيطان -دوما- يكمن في التفاصيل، فإنه بمجرد الاعلان عن ضوابط وشروط الاستفادة من هذه المبادرة وعرف الجميع أن الشرط اللازم للدخول تجت مظلة هذه المبادرة أن يكون الدين أقل من 10 آلاف جنيه (يعني بالبلدي كدة أقل من 200 دولارـ وهنا اصاب الاحباط الكثيرون أصحاب الديون الكبيرة الذين ظنوا أن الحزب سوف يكون المنقذ لهم من الدخول إلي السجون عقابا علي عدم قدرتهم سداد ما عليهم من ديون، ليتضح الأمر أن هذه المبادرة تخاطب عدد صغير جدا من المزارعين ممن فقدوا القدرة علي سداد دين أقل من قيمة خروف.

هكذا أحبطت ضوابط وشروط المبادرة التوقعات، وكشفت أن كثيرًا من هذه المبادرات ليست سوى زوبعة في فنجان عنوانها الكبير يخفي وراءه مضمونًا هزيلًا لا يلامس الجذور الحقيقية للمشكلة.

ففي بني سويف مثلا، ما حدث من ترويج للمبادرة أكبر بكثير جدا من العدد الذي استفاد من المبادرة وهو عدد لا يتعدي العشرات، وان أن سوف يتم سداده للمزارعين المتعثرين من ابناء المحافظة مجرد عشرات الآلاف من الجنيهات، ليبقي المتعثرين الحقيقين مهددين بالزج بهم في السجن في أي وقت لتعثرهم عن سداد الأموال التي حصلوا عليها من البنك ظنا منهم أن أمورهم سوف تتحسن ويتمكنوا من سداد ما يقترضوه من سلف زراعية أو قروض تسمين وخلافه.

كأننا أمام مشهد هزلي يُظهر جبلاً تمخض ليولد فأرًا الأمر المحزن أن ما أُنفق على تنظيم الفعالية والإعلانات المصاحبة ربما تجاوز ما تم سداده -بالفعل- من ديون وكأن الهدف الأساسي لم يكن التخفيف عن المزارعين بل إظهار مشهد احتفالي جذاب يخفي وراءه فراغًا كبيرًا ما أصبح واضحًا أن الشكل هو الملك والمضمون يُعامل كمجرد تفصيل ثانوي.

الكاميرات والديكورات أصبحت أولوية، بينما غابت الخطط الحقيقية لدعم المزارعين بشكل شامل ومستدام. بدلاً من معالجة الديون من جذورها وتحليل أسباب تراكمها وتقديم حلول واقعية لزيادة الإنتاجية الزراعية تُقدَّم الحلول المؤقتة كأنها معجزات.

المشكلة الكبرى أن مثل هذه المبادرات تستنزف الموارد والوقت في حين أن القضايا الحقيقية تظل عالقة. لا يحتاج المزارعون إلى مبادرات صورية أو فعاليات استعراضية بل يحتاجون إلى رؤية واضحة تُعالج مشكلاتهم الأساسية مثل توفير الدعم الفني، وتقليل تكلفة الإنتاج، وضمان تسويق المحاصيل بأسعار عادلة.

هل نتعلم من هذه التجارب ونتوقف عن ممارسات تُركز على الصورة دون الجوهر أم سنظل ندور في دوائر مغلقة من مبادرات براقة لكنها بلا تأثير حقيقي الإجابة تكمن في مدى استعدادنا للاعتراف بالمشكلة والعمل على حلول جادة بدلاً من الاكتفاء بالتصفيق للفقاعات الزائلة وعجبي!


كاتب المقال: محمود عبد الوهاب محامي ومرشح سابق في الانتخابات البرلمانية