3 تساؤلات حول الحزب المنتظر

تزامن مع الحديث المطول حول الحزب الجديد المنتظر طرح العديد من التساؤلات، أهمها: هل تحتاج الساحة السياسية إلي تأسيس المزيد من الأحزاب السياسية؟ ماذا يمكن أن يقدم الحزب الجديد؟ ماذا يريد الشارع من الحزب الجديد؟
تساؤلات ثلاثة مهمة، تكررت علي ألسنة المواطنين بمجرد أن بدأ الحديث حول الحزب الجديد، الذي ارتبط ظهوره في بداية الأمر بالشيخ إبراهيم العرجاني رئيس اتحاد القبائل العربية في مصر، الذي سرعان ما تنحي جانبا عندما ابدي الكثيرون تخوفاتهم من أن يتم تأسيس حزب علي أساس قبائلي لما يثيره من نعرات محلية غريبة عن الثقافة المصرية، فكان البدئل إعلان الهيئة التأسيسية للحزب برئاسة عاصم الجزار وزير الإسكان الأسبق وضم نجل الشيخ إبراهيم العرجاني الطيار المدني عصام العرجاني.
يأتي السؤال الأول ومفاده: هل تحتاج الساحة السياسية إلي تأسيس المزيد من الأحزاب السياسية؟ يحدث انقسام عميق في الشارع المصري عند الاجابة علي هذا السؤال، فالأكثرية يرون أنه لا يوجد في مصر أحزاب حقيقية، التي تعرفها كتب السياسية بأنها مجموعة من الأفراد، الذين اتفقوا على برنامج عمل محدد وأهداف سياسية مشتركة يسعون من خلالها إلى إقناع الناس بتأييدهم للوصول إلى السلطة.
وفي مصر قلما تجد حزب واحد ينطبق عليه هذا التعريف، فالأحزاب فقدت القدرة علي تبني برنامج محدد والعمل علي تحقيقه، وبالتالي، فإنه لا حاجة إلي المزيد من هذه الأحزاب، التي لا تقدم ولا تؤخر، غير أن قلة من المواطنين يرون أنه لا ضير من تأسيس حزب أخر لعل وعسي أن يكون هو الأمل في باعث الحياة الحزبية.
ويقفز السؤال الثاني، متحمسا لما سمعه من رضا وقبول بعض المواطنين وإن كانوا قلة بإمكانية وجود حزب جديد، لكي يكون الباعث للحياة السياسية في مصر، والسؤال الثاني مفاده: ماذا يمكن أن يقدم الحزب الجديد؟
نعم سؤال جوهري، يجب أن يتباري القائمون علي الحزب الجديد للاجابة عليه وإن كانت رد رئيس اللجنة التأسيسية للحزب اجاب بكلمات مقتضبة تفيد أن الحزب جاء ليعيد الحياة السياسية إلي الحياة مرة أخري، وأن يعمل علي خلق حالة من التنافس بين الاحزاب السياسية، وأن يجعل للانتخابات البرلمانية مذاق خاص، بما سيطرحه من مرشجين أقوياء ومساندين كثر في الشارع المصري، وذلك من خلال العمل علي تأهيل الشارع للعودة مرة أخري إلي ممارسة السياسية الحقيقية، وذلك من خلال تشكيلات حزبية قوية علي كافة المستويات، بما بمثل تهديد للاحزاب الحالية التي ركنت إلي عزوف المواطن عن ممارسة السياسة واصبحت صاحبة الغلبة دون عناء يذكر.
وإن كان علي رئيس اللجنة التأسيسية وأعضاءها أن يعلموا جيدا، أن ادراك ما يأمولون ويروجون له مرهون بالقدرة علي صياغة برنامج واضح للحزب يعبر عن هموم المواطنين وآمالهم، ويضع من السياسات والبرامج ما يكفي لعلاج هذه الهموم وادراك الآمال والأحلام. إن نجاح أي حزب مرهون بشكل أساسي بمدى وضوح برنامجه وتجاوبه مع احتياجات المواطنين وتطلعاتهم، فالأمر أعمق بكثير من مسألة جمع التوكيلات وكلنا نعرف الآليات المتبعة في الشارع المصري لجمع التوكيلات سواء لتأسيس الأحزاب أو غيرها.
الأمر ليس تجميع توكيلات بقدر ما يتطلب تقديم رؤية وبرنامج واضحين، فالحقيقة أن التوكيلات وحدها لا تكفي، البرنامج هو الأساس، الذي من خلاله يمكن للحزب الجديد أن يعرف الناس به، وأن يكسب تأييدهم بفضل رؤية مبتكرة لمعالجةالتحديات القائمة.
هنا يقفز السؤال الثالث، ماذا يريد الشارع من الحزب الجديد؟ أو بصياغة أكثر انضباطا، ما هو البرنامج الحزبي الذي تحتاجه الحياة السياسية في مصر؟
نحتاج إلي حزب سياسي جديد يضع تطلعات الشارع وأحلامه في مقدمة أولوياته حزب يعمل بجدية على صياغة استراتيجية شاملة وواضحة للتعامل مع مختلف القضايا الوطنية، وهنا يمكن أن يتضمن البرنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل وضع خطط لتنمية الاقتصاد الوطني بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القروض الخارجية، والعمل علي تعزيز دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأساسي للنمو، واتخاذ كل ما يلزم لتحسين مستوى المعيشة للمواطنين من خلال سياسات عادلة للضرائب والأجور.
ويجب أن يتضمن البرنامج أيضا العمل علي تعزيز التعليم والصحة، وذلك عبر إطلاق خطة طويلة الأمد لإصلاح نظام التعليم بما يلبي احتياجات السوق ويُعدّ أجيالًا قادرة على الابتكار، ووضع آليات تضمن حصول كل مواطن على خدمات صحية بجودة عالية من خلال زيادة ميزانية الصحة، ووضع برامج محددة لمكافحة الفساد الإداري في هذا القطاع، ومن الضروري أن يتضمن البرنامج أيضا ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال وضع سياسات تعالج التفاوت الكبير في توزيع الثروة وتضمن تحقيق عدالة حقيقية، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا من خلال برامج حماية اجتماعية مستدامة.
وينبغي أن يعمل الحزب الجديد من خلال برنامجه علي تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات، وذلك من خلال العمل على تحسين شبكات الطرق والمواصلات والبنية التحتية الرقمية وحل مشكلات المياه والكهرباء والإسكان بأسلوب يراعي العدالة والكفاءة، وذلك كله بالمضي قدما في سياسات تعزيز الحريات السياسية ودعم الديمقراطيةكضمان حقوق المواطنين في التعبير عن آرائهم بحرية وفي إطار القانون دعم الشباب وتمكينهم من المشاركة في الحياة السياسية دون قيود.
وبذلك يمكن أن يقبل المواطن علي توكيل اللجنة التأسيسية للحزب عن قناعة وليس مجاملة لشخص أو رغبة في تحقيق مكاسب شخصية، فالحزب السياسي الذي يأمله الشارع ليس مجرد تجمع نظري بل كيان قريب من الناس يسمع مشاكلهم ويعمل معهم لتحقيق الحلول، ويتطلب الإقناع هنا المزيد من الشفافية والمصداقية، وذلك بأن يعكس البرنامج الواقع ويتجنب الشعارات الجوفاء التي لا طائل منها.
وأخيرا وليس آخرا، لابد من العمل علي عرض نماذج لكل نجاح يتحقق علي الأرض بمعايير قابلة للقياس بعيدا عن اللقطة التي يعشقها أغلب رجال الأحزاب الحاليين، الذين ادمنوا اللقطة والشو الاعلامي، فالحياة السياسية في مصر تحتاج إلى دفعة جديدة من الأحزاب، التي تجمع بين الطموح والواقعية حزب يلتف حوله الناس، لأنه يعبر عن أحلامهم ويضع مصالح الوطن فوق كل اعتبار، الحزب الذي نأمله هو الذي يبني المستقبل بروح العمل والإبداع لا بمجرد شعارات ووعود واهيه، فهل نكون بتأسيس الحزب الموعود المنتظر على أعتاب انطلاقة سياسية جديدة أم يكون مثل سابقيه فنقول: لكي الله يامصر.
كاتب المقال: محمود عبد الوهاب محامي ومرشح سابق في الانتخابات البرلمانية