الجمعة ٢٩ / أغسطس / ٢٠٢٥
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

التحول إلي الدعم النقدي رغبة حكومية يفرملها قلق الشارع

التحول إلي الدعم النقدي رغبة حكومية يفرملها قلق الشارع
رمضان ابو إسماعيل

- البداية مليون جنيه في موازنة 1994 و636 مليار جنيه مخصصات العام الحالي

اصرار الحكومة علي التحول يدعمه الرغبة في تحقيق المزيد من الحوكمة والكفاءة

- زيادة معدلات التضخم وتقليص المستفيدين وإساءة توظيف الدعم أهم التخوفات

- مطالبات صندوق النقد بإعادة النظر في ملف الدعم ترجع إلي عام 1974


تمثل قضية "التحول من الدعم العيني إلي الدعم النقدي" أحد أهم القضايا المثارة علي الساحة الآونة الأخيرة، ولم يحظي الحديث حول هذا الشأن بهذا القدر الواسع من الزخم كما هو حاصل الآن، وربما يرجع ذلك إلي تكرار التصريحات الرسمية والاعلانات الحكومة التي تؤكد في مجملها علي أهمية مطلب التحول إلي الدعم النقدي، لما يترتب علي هذا المطلب من تمكين الحكومة من الوصول إلي مستحقي الدعم بشكل أكثر كفاءة، ما يصب في مصلحة تحقيق المزيد من حوكمة الانفاق علي الدعم.

بالفعل، استحوذ هذا المطلب علي زخما غير مسبوق منذ أن طالب د. مصطفي مدبولي، رئيس الوزارء، خلال المؤتمر الصحفي الذي انعقد نهاية مايو الماضي للاعلان عن تحريك سعر رغيف العيش من 5 إلي 20 قرشا، القائمين الحوار الوطني بضرورة طرح قضية التحول إلي الدعم النقدي علي مائدة الحوار، للوصول إلي الصيغة المثالية للتحول من الدعم العيني إلي الدعم النقدي، مما يسهم في في تقليل الأعباء المالية لمخصصات الدعم مع ضمان وصول الدعم لمستحقيه.

جدل قديم

حتي نكون منصفين، لابد من الاعتراف أن الجدل حول قضية الدعم ليس حديثا بل يعود إلي عقود مضت، وإنه كلما تضخمت مخصصات الدعم العيني في الموازنة العامة كلما زادت النقاشات حولها حدة بين مؤيد للابقاء علي هذه المخصصات حماية للطبقات الفقيرة، ومعارض بحجة أن هذا الدعم لا يصل إلي مستحقيه، وأن استهداف الفقر يجب أن يبحث عن طرق أكثر كفاءة، خاصة أن جزء من مخصصات الدعم العيني تذهب إلي جيوب غير المستحقين أو المتاجرين بأموال الدعم من أصحاب المخابز البلدية وبدالي التموين.

يعود الظهور الأول لمخصصات الدعم العيني إلي قرار الحكومة بتخصيص مليون جنيه لدعم السلع الغذائية في موازنة عام 1941، وذلك لتقليل وطأة ارتفاع  أسعار السلع الغذائية بفعل الحرب العالمية الثانية، حيث استوردت كميات كبيرة من الدقيق والقمح من استراليا، وقامت ببيعه في منافذ حكومية بأسعار مخفضة، ولم يكن هناك أدني تمييز بين المواطنين، فالسلع كانت متاحة لكل من يرغب في الحصول عليها مدعومة من قبل الحكومة.

وتوسعت الحكومة في برنامج الدعم العيني، بل حدث تطور دراماتيكي هام عندما أصدر الملك فاروق القرار رقم 95 لسنة 1945، الذي نظم عملية الدعم العيني بحيث يشتمل الدعم عدد من السلع الرئيسية، فإلي جانب القمح والدقيق، يتم دعم السكر والكيروسين والزيت والشاي، مع استخراج بطاقات تموينية للمواطنين الذين تنطبق عليهم شروط الاستحقاق، لتبدأ مرحلة جديدة من الدعم يتم فيها منح مقررات تموينية مدعومة بكميات محددة شهريا لكل فرد مستحق من واقع بطاقة التموين.

ثورة 23 يوليو

لم تجد فيما بعد حكومات ثورة 23 يوليو 1952 المتعاقبة بد من الاستمرار في هذه السياسة، لتأكيد حرصها علي المواطن محدود الدخل، بل بمرور الوقت بدأت الحكومة تتوسع في برامج دعم الأسر الفقير، وجاءت هزيمة 1967 لتضيف بعدا جديدا لقضية الدعم، لأن الحكومة استخدمت هذه الألية للتحكم في توزيع السلع بشكل أكثر وضوحا، خاصة مع توجيه جل قدرات الاقتصاد للمجهود الحربي، مما ترتب عليه فوضي الأسواق.

وتبدلت الأحوال في أعقاب نصر أكتوبر 1973، وتحديدا مع بداية عهد مصر بسياسة الانفتاح الاقتصادي آواخر سبعينيات القرن الماضي، التي تبناها الرئيس السادات ومن بعده مبارك. وبالتالي، تطورت الرؤية لقضية الدعم العيني مع التحول الحاصلة في الفلسفة الاقتصادية للدولة من رأسمالية الدولة في العهد الناصري إلي اقتصاد السوق المفتوح في عصر السادات ومن بعده مبارك، بحيث تحول الدعم من كونه ألية لحماية الطبقات الفقيرة من تقلبات الأسواق إلي معوق للتحرر الاقتصادي وعبء علي مالية الحكومة.

وبمرور الوقت، تضخمت مخصصات الانفاق العام ومنها الدعم مع محدودية الايرادات العامة ما دفع في اتجاه زيادة عجز الموازنة العامة للدولة، وهنا اضطرت الحكومة إلي الإلتجاء إلي صندوق النقد الدولي لدعم الموازنة العامة علي سد العجز الذي أصبح مزمنا، وذلك في عام 1976، لتبدأ مرحلة جديدة من التعامل الحكومة مع مخصصات الدعم شهدت العديد من حالات الشد والجذب، فالصندوق يشكك في جدوي برامج الدعم العيني التي تتبعها الحكومة ويطالب بضرورة العمل علي إلغاء الدعم العيني ليحل محله برامج دعم نقدي.

الصندوق والحكومة

أمام مطالب صندوق النقد بتقليص مخصصات الدعم، وجدت الحكومة نفسها -دوما- عاجزة عن الاستجابة، لما قد يترتب علي تقليص مقررات الدعم من رفض جماهيري قد يهدد -بدوره- الاستقرار السياسي، وأن هذا ما حدث بالفعل عندما تجرأت الحكومة في يناير 1977 علي إلغاء دعم بعض السلع الأساسية، مما ترتب عليه مظاهرات في الشارع رافضة بشدة لهذه القرارات (الانتفاضة الشعبية في يناير 1977).

لم يجد الرئيس أنور السادات في مواجهة الانتفاضة الشعبية بديلا عن التراجع عن هذه القرارات، فانتفاضة الشارع قد ترتب تداعيات أخضر بكثير مما قد يترتب من تداعيات حال التراجع عن قرارات إلغاء الدعم، وهدأ الشارع بعد الغاء قرارات يناير 1077، لتدرك الحكومة بعدها أن ملف الدعم من الملفات الملغومة، وأن الإقتراب من دعم سلع الغلابة قد يترت عليه انفجار الأوضاع، لكن بقيت رغبة الحكومة المدعومة برؤية صندوق النقد في الإجهاز علي الدعم العيني باقية، وأن الحكومة بقيت مترقبة في انتظار الوقت المناسب لاتخاذ القرار.

وبعد أن ادركت السلطة السياسية أن إلغاء الدعم أمر محال، بدأت تتعامل مع الأمر بشئ من الهدوء حتي لا تتكرر انتفاضة 1977، وبالفعل شهدت مخصصات هذا البند تراجعا مع بداية العقد التاسع من القرن الماضي حتي منتصف العقد الأول من القرن الحالي، لتعود مخصصاته في الصعود مرة أخري بظهور رافد جديد، وهو، دعم الطاقة بشكل واضح منذ العام 2005 مع الزيادة الكبيرة في أسعار الغذاء والنفط، الذي أصبح يستحوذ، بمرور الوقت، علي أكثر من 60% من مخصصات الدعم.

وحدثت في السنوات الأخيرة، وتحديدا، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، بعض التغير في الرؤية الحكومية للدعم العيني، وتمثل هذا التغير في تحول فلسفة تعامل الحكومة من الدعم من الرغبة في الإلغاء إلي السعي وراء التحول إلي الدعم النقدي، بحيث تراجع صندوق النقد عن موقف المطالب بإلغاء الدعم، وأصبح من اشد المطالبين ومعه البنك الدولي بضرورة تنفيذ برامج دعم نقدي لمساعدة الفئات الأكثر فقرا، ودعم قدرتها علي مواجهة الفقر، علي أن تتسم هذه البرامج بالحوكمة والكفاءة في الانفاق.

تصاعد المخصصات

يرجع تزايد اهتمام الحكومات المتعاقبة بهذه القضية إلي التصاعد غير المتوقع لمقررات الدعم، فإن مخصصات هذا البند في الموازنة العامة تضاعف بشكل المتوالية الهندسية (1- 2 – 4- 8 ..) منذ العام 1941، ما يجعل الحكومة تعود بين الحين والآخر إلي طرح الموضوع للنقاش، فمخصصات الدعم أصبحت مرهقة للموازنة العامة. فبعدما كان مخصص الدعم في موازنة عام 1941 نحو مليون جنيه، تطور الأمر حتي وصل إلي نحو 205 مليار جنيه في العام المالي 2013/ 2014.

وشهدت مخصصات منظومة الدعم في الموازنة العامة للدولة العام المالى الحالى 2024/ 2025 ارتفاعا، رغم مطالبات صندوق النقد الدولي، لتصل إلى نحو 635  مليار جنيه تمثل 17% من إجمالي الانفاق العام و7% من الناتج المحلى الإجمالى مقابل نحو 530 مليار جنيه بموازنة العام الماضي 2023/ 2024 تمثل نحو 4.5% من الناتج المحلى الإجمالى بزيادة قدرها 106 مليارات جنيه، موزعة علي دعم السلع التموينية، والمواد البترولية، والكهرباء، والصادرات، وغيرها.

وارتفعت مخصصات دعم السلع إلى 298 مليار جنيه، منها 134.2 مليار جنيه لدعم السلع التموينية (91 مليار جنيه رغيف العيش – 36 مليار جنيه سلع تموينية – أكثر من 7 مليارات جنيه احتياطي إضافي) مقارنة بـ 127.7 مليار جنيه خلال العام المالي الماضى بمعدل نمو سنوى 5.1%، وكذا زادت مخصصات دعم الموارد البترولية لتصل إلي 154.5 مليار جنيه مقارنة بـ 119.4 مليارا العام الماضى بزيادة 29.4%، بالإضافة إلي زيادة باقي ومخصصات الدعم الأخري.

دفعت الظروف الاستثنائية، التي يمر بها الاقتصاد المصري علي أثر الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، التي يشهدها العام، وأهمها جائحة كوفيد 19 وما تلاها من الحرب الروسية – الأوكرانية ثم الأزمات المتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط، كلها عوامل تكاتفت ضد الاقتصاد الوطني وخلقت المزيد من الضغوط عليه، جعلت الحكومة تضطر إلي الاستدانة من الداخل والخارج لتمويل الزيادات الكبيرة في مخصصات الانفاق العام، والبدء في تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي، الذي تم الاتفاق بمقتضاه مع صندوق النقد الدولي ببالمضي قدما في تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي.

وأظهر صندوق النقد الدولي في مواقف عدة مطالبته مصر بضرورة السير قدما لتنفيذ برنامج لتحويل الدعم العيني بما في ذلك دعم السلع التموينية ودعم الطاقة، إلى دعم نقدي من خلال التوسع في برامج شبكة الحماية الاجتماعية، مثل برنامج تكافل وكرامة، الذي تقدم الحكومة من خلاله مساعدات نقدية مشروطة لمساعدة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجا، إلا أن مطالبة صندوق النقد بالتحول إلي الدعم النقدي رغم قوة أسانيدة من قبل بعض الداعمين لتحركات الحكومة، يكتنفها العديد من المخاطر والتحديات بحسب خبراء.

مخاطر ومحغزات

تتمحور المخاطر والتحديات المرتبطة بالتحول إلي الدعم النقدي بحسب الخبراء، فيما قد ترتبه من ضغوط تضخمية تضاعف من تكلفة أعباء المعيشة، بما قد يرتب المزيد من الضغوط علي الطبقات الفقيرة، التي تقدر بما يزيد عن 30%، ما يجعل التوقيت غير ملائم للتحول إلي الدعم النقدي، ويضاف إلي ذلك، زيادة معدلات الفساد قد ترتب آثار سلبية علي العوائد المرتقبة من التحول إلي الدعم النقدي، لكونه يسهم في ادخال فئات غير مستحقة إلي دائرة الاستحقاق فيما قد يحرم الفساد بعض المستحقين من استحقاق الدعم النقدي.

وتتعاظم تخوفات بعض المستفيدين الحاليين من الدعم السلعي، أن تضع الحكومة شروط استحقاق للدعم النقدي لا تنطبق عليهم، كأن يتم تحديد حد أدني للدخل لا يتناسب مع تكاليف الحياة، بما يفقدهم ما يحصلون عليه من دعم عيني أكثره وأهمه هو دعم رغيف العيش الذي يقدر بنحو 150 جنيه شهريا علي الأقل لكل فرد وقرابة 50 جنيها بما يقدر بنحو 1000 جنيه علي الأقل للأسرة الواحدة، علي اعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة 5 أفراد. لذلك فإن البعض يدعو الحكومة بضرورة الإبقاء علي دعم رغيف العيش علي الأقل لما يمثله الغاء الدعم في هذه السلعة من مخاطر جمة.

ولا تتوقف التخوفات عند هذا الحد، بل يبدي البعض تخوفاتهم من أن الدعم النقدي قد يغري بعض ضعاف النفوس من أرباب الأسر إلي توظيف هذه المخصصات النقدية لشراء ما لا يهم أسرته مثل الانفاق علي التدخين بل وشراء المخدرات، خاصة أن الدراسات تذهب إلي زيادات مطردة في معدلات تعاطي المخدرات، مما قد يسهم في زيادة الخلل في المجتمع المصري، وهو الأمر الذي سينعكس على المجتمع وقد يزيد من معدلات الجريمة، في ظل مستوى الفقر المرتفع الذي يعيش فيه المصريون.

لا تعني التخوفات السابق ذكرها أن التحول إلي الدعم النقدي كله عيوب أو أن الابقاء علي الدعم السلعي هو الحل المثالي، بل بالتأكيد هناك العديد من المشكلات المرتبطة بالدعم السلعي، أهمها، الفساد الحاصل في ملف الدعم سواء رغيف العيش أو السلع التموينية وكذا اسطوانة البوتجاز والمواد البترولية، فإن بعض القائمين علي دور الوساطة في هذا الملف مثل المخابز البلدية ومحطات البنزين وبدالي التموين ومستودعات البوتجاز يتفننون في اقساد الأمر بالسطو علي أكبر قدر من مخصصات هذا الدعم بما يحرم المواطن جزء من حقوقه.

وأمام هذا المشهد، ينبغي علي الحكومة أن تسعي جاهدة لعمل موازنة بين الدعم النقدي والسلعي بما يترتب عليه من تحقيق المزيد من الحوكمة والكفاءة في هذا الملف، فالابقاء علي منظومة الدعم الحالية قد ينطوي علي مخاطر، والتحول كليا إلي الدعم النقدي ينطوي علي مخاطر توجب علي الدولة بكل مؤسساتها أن تدرس الأمر جيدا، وأن يتم أخذ كافة التخوفات في الاعتبار، فإنه غير مقبول أن يتم الركون إلي اتجاه دونما اعتبار رأي الاتجاه الآخر.